مدرسة أنطلياس

مدرسة أنطلياس: نجحت في الشهادة لم تنجح في المنافسة

التحوّل قد يلغي المعالم لكنّه لا يستطيع أن يلغي الذكرى التي تبقى مع لون القرميد الأحمر كجرح في القلب ينبض كلّما مرّ أنطلياسيٌّ قديم من أمام دير مار الياس المرمَّم. فتعود الذاكرة إلى تلميذ على مقاعد إحدى غرف مدرسة أنطلياس التي تحوّلت إلى غرف للرهبان كجزء مكمّل للدير محوّلة معها الرسالة التعليمية إلى رعويّة أوسع.

مدرسة مار الياس – أنطلياس، التابعة للرهبانية الأنطونية المارونية، هي من أولى المدارس الساحلية قدماً. يعود تاريخها بحسب السجلاّت المحفوظة في دير مار الياس – أنطلياس إلى ما قبل القرن العشرين. ويصفها الأستاذ فريد أبو فاضل “بمدرسة السنديانة على حدّ تعبيره. لكنّها كانت في أحد أقبية الأنطوش”. تقع جنب الكنيسة القديمة وتلصق ببناء الدير آنذاك أي جهة قبّة الكنيسة فوق الدكاكين. هي مدرسة ابتدائية متواضعة، في مطلع هذا القرن أحسن إدارتها الأب اوجين جباره 1908-1913 وكانت تضمّ عدداً وافراً من تلاميذ أنطلياس والجوار.

ومن سنة 1920 حتى سنة 1923 اهتمّ بإدارتها الخوري حنا كرم وجعلها مدرسة داخلية وخارجية وأدخل عليها تحسينات عامة في الإدارة والاداء، ولكن مرّت هذه المرحلة دون ضجّة، فبالرغم من تأليف التعليم في المدرسة، لم يتمكّن الرهبان في حقل التعليم من إثبات وجودهم وسط رعيل محترم من أبناء الرعيّة خرّيجي معهدَي عينطورة وعين ورقة ومدرسة قرنة شهوان أمثال: طانيوس أبو ناضر وفرح طعمه والشيخ راشد الخازن والمير سليم أبي اللمع ويوسف اغناطيوس طعمه والدكتور يوسف الشويري. توالى على إدارتها من سنة 1923 وحتى 1937 كلٌّ من الخوري بولس الحايك حتى سنة 1927 والأستاذ فريد أبو فاضل الذي علَّم فيها يعاونه معلّم واحد تحت إشراف الأب يعقوب الكبوشي.

100% نجاح في الشهادة والموسيقى

في عهد الآباتي ايرونيموس خيراللّه 1938 – 1948، استطاعت الرهبانية الحصول على رخصة رسمية للمدرسة من الدولة اللبنانية رقم 3226 في 18 أيلول سنة 1938 بمساعدة الأستاذ فريد أبو فاضل الذي أبدى تعاوناً كبيراً مع الرهبانية وأدار المدرسة مالياً وأدبياً وأصبح اسمها “مدرسة أنطلياس”. أدخل عليها الأستاذ أبو فاضل أساليب عصرية في التنظيم والتعليم والإدارة بعدما جهّزها بالمقاعد والطاولات والألواح للطلاّب فتوارد إليها الطلاّب من جميع القرى وبلغ معدّل فوز طلاّبها بالشهادة الابتدائية إلى 100%.

بقي الأستاذ فريد أبو فاضل مديراً حتى نهاية سنة 1942. وبعدها تسلّم إدارتها الأب بولس الأشقر في عهد الأب زكريا نصر وساهم في إحياء الطقوس بإدخاله مع برامج المدرسة ألحانه الموسيقية وتأليف الجوقة وتعليم أصول الموسيقى، وكان من تلامذته الأخوان رحباني.

بعد مجيء الأب اوجين جباره رئيساً على دير مار الياس – أنطلياس سنة 1943-1948 ترأس المدرسة أيضاً وطلب من السيّد فريد أبو فاضل أن يديرها مجدّداً وعلَّم فيها كلٌّ من الخوري يوحنا صفير والأب يوسف الشبابي والأستاذ جورج كميّد وجوزف نعمان عازار، وكانت صفوفها من السادس حتى الثاني عشر ضمناً. في عام 1948 وحتى 1951 أصبح الأب سلوانس أبو جوده رئيس الدير ورئيس المدرسة وجدّد اجازتها باسم الأب يوسف الشبابي وطلب من الأب مارون مراد إدارتها، وكانت المدرسة تضمّ 126 طالباً بحسب سجلاّت قيد المدرسة المحفوظة في الدير. وبقيت المدرسة على هذه الحال مدرسة ابتدائية بسبب موقعها فوق الدكاكين وضيق مكانها وصفوفها التي لا تتعدّى 8 غرف و 6 معلّمين إلى أن أصبح الأب مخائيل معوّض رئيس الدير في عام 1958.

محاولات تطوير ومنافسة

كان الأب اوجين جباره قد حاول تكبير الكنيسة القديمة في عهده 1943 – 1948، فاشترى لها حجارة صفراء وجهّز لها كلّ الخرائط اللازمة، ولكن محاولته باءت بالفشل ولم يبقَ من ذلك إلاّ الحجارة الصفراء التي استعملها الأب ميخائيل معوّض وبنى بواسطتها مدرسة جديدة سنة 1959 بعد أن هدم الغرف التي كانت فوق الدكاكين. تألّفت المدرسة من 3 طوابق في كلّ من الطابق الأوّل والثاني ثلاث غرف للتعليم، وطابقها الأرضي تحوّل مع باحة الدير ملعباً لطلاّبها. اهتمّ الأب معوّض بتحسين أوضاع المدرسة الجديدة ووكل أمر إدارتها مجدّداً إلى الأستاذ فريد أبو فاضل.

على رغم نقل المدرسة إلى مكان جديد وإلى أبنية جديدة لم يزد عدد طلاّبها على الـ 170 طالباً وعدد أساتذتها على 8 معلّمين في حال ان مدرسة سيّدة لورد، لراهبات العائلة المقدّسة المارونيات، المجاورة للدير والتي تأسَّست عام 1924 ازداد عدد طلاّبها من 69 طالباً ليصبح عام 1970 اربعماية طالب. استمرّت مدرسة مار الياس بالخدمة حتى عام 1985 ولكن عدد طلاّبها لم يرتفع وأصبحت تتراجع أمام باقي المدارس المجاورة لأسباب عدّة من بينها موقعها الضيّق ووجودها ضمن إطار رعيّة إذ كانت الأهميّة معطاة للرعيّة وعدم زيادة صفوفها لتصبح مدرسة تكميلية وثانوية.

وجهة جديدة

توقّفت المدرسة نهائياً في عهد الأب مارون عطااللّه سنة 1984 بعد سنين طويلة من العطاء التربوي والثقافي وبقيت مبنىً خالٍ من البشر واستُعملت كمخزن لأغراض الكنيسة والدير والمكتبة لفترة 15 سنة إلى يوم رأت فجراً جديداً في تمّوز 2000 ودوراً جديداً للعطاء إذ تحوّلت من مدرسة إلى دير يستقطب آلاف المؤمنين ويخدمهم بمحبّة وعطاء كبيرين.