التلجئة وخير الزوجين: كتاب جديد للأباتي أنطوان راجح

بقلم القاضي جون قزّي

عندما يتحدّث الـيَّ الورق، بمدِّ الحروف وجزرها، تنتظم كلمات الأباتي أنطوان راجح بفواصل الخَلق، وتتقاطع مفرداته حول نقاط الدّهشة، فتنضبط السّطور في قوافل الإعجاز، لتضع فارق الإنجاز، وتستوي المخارج في حيثيّات السّيرة، لترقى الى حتميّة الصيرورة.

<i>الأباتي أنطوان راجح</i>تبشيريّ هو بامتياز، بقولة الحق
أنطونيّ الالتزام، بفضيلة الإيمان
رعائيّ الإحاطة، بعناية الأب الصالح
شاهدٌ للحقيقة، بنصاعة المبدأ
رؤيويّ البصيرة، باستشراف الآتي
قيامي المدى، بمَلَكة الرّجاء
ثابت القرار، برجاحة العقل
إنساني الهوى، بصلابة الإرادة
قانونيّ الإيقاع، باحترافيّة الفقيه

هكذا عرفته. الأباتي أنطوان راجح، يكتب لنفسه وللآخرين، بنُبل وتواضع وثقة، مسلِّمًا لمن كان في البدء الكلمة بما حباه من وزنات، في لاهوت الحياة، والمعرفة، والثقافة، والفقه القانونيّ. يخون إن لم يتاجر بها شاهدًا، ناصحًا وموجِّهًا.

وإذ يكتب من جوعٍ، لا يشبع الاّ عندما يُقرأُ. ولأنّه أحسن الرؤيا، على مثال يوحنّا السابق، فأحسن الشهادة، تجلّى رجل الله في رحلة عمره بالتحلّي والتخلّي، غانمًا بالمسيح مصلوبًا على هدى أنطونيوس، سفيرًا له على مساحة الكلمة، مقتديًا ببولس، ثابتًا على مبدئيّته، ومواظبًا على الكرازة بالحق وبقوّة الله.

وفي صميم رسالة الأباتي راجح السامية، ما نذر له نفسه في محراب العدالة، بالمفهوم الإنساني المقونن، ترسيخًا لمبدئيّة الإنصاف ومحوريّته في مقاربة النصوص. فهو القاضي الذي اجتهد في قراراته وأنصف، وهو الفقيه الذي شرَّح القانون الكنسي وفسّره، وهو الكاتب الذي أغنى المكتبة الحقوقيّة بهواد، من الإصدارات التي غطّت، في ما غطّت، مفاصل العمل الحقوقيّ بحيثيّاته الضاربة في يوميّات عوائلنا، على ضفّتي الزواج والبطلان، وما بينهما وما بعدهما، من آثار ومفاعيل.

ولم يخرج مؤلَّفَه الحالي عن هذا العنوان المظلِّل، فالموضوع من الأهميّة بمكان، بحيث شكّلت التلجئة، سببًا وإسنادًا وإثباتًا، الممرّ شبه الحصريّ لدعاوى البطلان، فتضاعفت بذلك الحاجة الى ضوابط ترعى وآليّات تحدّد حيثيّات المقاربة السويّة، تطبيقًا لمصلحة الزوجين وخيرهما معًا، تجنّبًا لعثراتٍ اعتورت وصوّرت المسار، في حالات آخذة في الازدياد، الى غير نيّة المشرِّع الكنسي، الذي وضع ديمومة الزواج على رأس أولويّاته، جاعلًا من البطلان الاستثناء، الضيق المدى والمآل، كما والقاضي الكنسي الذي يجتهد، أسوة بزميله المدني، رحمةً بالمشترع، بهدف إحقاق الحق وتفسير الغامض في النصوص، طالما أنّه لا قِبل لمن يشرّع  في لحظ جميع الأدوار مسبقًا على مسرح التطبيق. فبات لزامًا على هذا القاضي أن يتميَّز بالتنوّر في شخصيّته، وأن يتحلّى بنهضويّة في المعرفة القانونيّة، وأن يقتنع الى حد الاعتناق بمبدئيّة الإنصاف، كونه “ألصق بالواقع من سواه”، على ما وصّفه المؤلّف. وينبغي لذلك أن يكون القاضي ضليعًا بالنصّ التشريعي، كما ومرافقًا للمسار الاجتهادي، ومطلعًا على سائر العلوم الانسانيّة، وحتّى الأدبيّة، كأنّي به ينقل، في توصيفه، ما عكسته له مرآته.

والى أهميّة الموضوع ودقّة المعالجة، وخصوصيّة الاعتبار، تتبدّى المنهجيّة العلميّة جليّةً في الأسلوب الذي أعملَ فيه المؤلّف تنميقًا وترصيفًا، البعيد عن تحنيط الكلمات، والنائي عن نمطيّة العرض، السهل سكبًا، الواضح إدراكًا، والناصع إلمامًا.

وقد زادته الشواهدُ غنًى على ضفتي الفقه والاجتهاد أمام القضاء الكنسي اللبناني والروتالي الفاتيكاني، إذ لا تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب من مرجع أو تعريف أو قرار، تدليلًا على شغف المؤلّف بتسقط المعلومة واستجلابها، ليس فقط “لخير الزوجين” بل وللخير العام.

ذلك أنّ خير الزوجين يقوم على شراكة المحبّة، بما تحمل من احتضان وتضحية، وما تفرضه من إخلاص وأمانة، فلا ينقطع التواصل بنشوب الخلاف، ولا تُقفل قنوات الحوار بتنافر الآراء. فحماية العائلة في صميم مهمّة الزوجين، وخارجها لا حياة لهما، بالمفهوم الرعائي والإيماني. وإذا كان صحيحًا أنّ الأهل يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون، فلخير العائلة أن يؤمّن الوالدان الأرضيّة الصالحة والسويّة لنموّ الأولاد.

وما التفات المؤلّف لهذه الحيثيّة، ووقوفه على دقائقها، الا الدليل على الأهميّة التي يوليها، لحماية العائلة، ولو أنّ هذه الحماية قد تستدعي في محطّات استثنائيّة، وعند بلوغ الخلاف حدّ الاختلاف الجوهري الذي من شأنه تشويه حياة الزوجين، وبالتالي الانتقال انحدارًا في تأمين خير الزوجين، الى الإضرار بهما، تدابير وقرارات استثنائيّة قد تطاول وجود الزواج بحدّ ذاته.

…إنّها لمتعة حقيقيّة لكلّ مهتمّ، أن يقرأ للأباتي أنطوان راجح. إنّ في مؤلّفه الحالي دعوة متجدّدة الى وليمة المعرفة، طبقُها الرئيس العلم القانوني، ملحُها العدل، وشرابها يراعٌ ما انسكب الاّ ليملأ الأجاجين المشتاقة، لقاءً…فهنيئًا لمن يلبّي!!!