حركة المسنين ومائدة المحبة

يسدان جوع النفوس والبطون

محت سنوات عمرهم خباثة التعامل وتغليف النوايا والتصرفات، فأعادت قلوبهم إلى طور الطفولة ببساطتها وشفافيتها، لذا ضاقت أمكنتها في مجتمع معقّد وعازل. إلا أن رعية مار الياس – أنطلياس وسّعت لهم المكان والمكانة. فأتوا إليها بإقبال، مسنّون، من قرب وبُعد، لقلّة القرباء والبعداء الذين يقبلونهم. ومن دون خجل امتثلوا كما هم، بغصّة وحسرة، فقراء إلى من يهتمّ بهم بلقمة وبسمة ولمسة وكلمة.

هنا، يغذّون نفوسهم بكلمة في القداس، ويشبعون بطونهم الفارغة بلقمة من مطاعم المحبة. بعدها لا يترددون بملء جيوبهم وأكياسهم من الفضلات وقاية من خطر جوع أيامهم الأخيرة وبخل “مائدة الأسياد” التي تغلق أبوابها لتتحضر من دون رائحة أو طعم، تفتقد إلى رشّة محبة ورأفة.

دقّ السيد الباب، ففتحت له مجموعة من سيدات انطلياس والنقاش اللواتي ألّفن لجنة سنة 1993 للاهتمام بالمعوزين خصوصاً المسنّين منهم. وقد راودت فكرة مطعم المحبة السيد ألبير الزغبي، مؤسّس جمعية مار منصور في قرنة شهوان ورئيسها، وساهم في هذا المشروع فخامة رئيس الجمهورية الراحل، المرحوم شارل حلو وشجّع هذه المبادرة يومذاك رئيس الدير الأب ايلي الحاج.

يستقبل مطعم المحبة وبإشراف السيدات، المسنين أسبوعياً كل نهار أربعاء الساعة التاسعة قبل الظهر. تُقدّم لهم القهوة الصباحية. يجتمعون معاً ويتبادلون الأحاديث، ثم يلتقون حول مذبح الرب للاحتفال بالذبيحة الإلهية، والى مائدة المحبة سوياً مع المرشد والسيدات المسؤولات عن هذا العمل. إلى جانب المساهمات التي ذكرت تقوم كل مجموعة من السيدات بإعداد وجبة الطعام على نفقتها الخاصة، وخُصّص اشتراكهم الشهري ليُوزَّع على الأكثر عوزاً وبالأخصّ لهدايا عيد الميلاد للمسنين. إضافة إلى ذلك، تقوم السيدات بإعداد رحلة سنوية إلى هؤلاء المسنين لزيارة المعالم الروحية والأثرية ودعوتهم إلى الغداء. يجتمعون معاً تملؤهم المتعة والترفيه وروح الأخوّة والخدمة والإخلاص لتقديم واجب الشكر لمن أعطوا ذواتهم حباً وتضحية في الحياة.

ma2idavieillards

إذاً، مسؤوليتنا هي أن نعدّ لهم محيطاً إنسانياً واجتماعياً وروحياً يستطيع كل فرد ان يعيش فيه هذه المرحلة من الحياة عيشاً كاملاً وكريماً، وليتذكّر المسنّون كلام مار يوحنا بولس الثاني، عندما توجّه إلى ما يقارب الـ8000 من المسنّين في مقابلة في 23 آذار 1984، بقوله: “لا تفاجئنّكم تجربة العزلة الداخلية. فعلى رغم معضلاتكم المعقدة [...] وقواكم المتدهورة شيئاً فشيئاً، وعلى رغم ثغرات الأنظمة الاجتماعية، تباطؤات التشريع الرسمي وانغلاقات مجتمع أناني، لستم – ويجب ألاّ تشعروا أنفسكم – في هامش الكنيسة، وكأنكم عناصر سلبية في عالم مغرق في الحركة، بل أنتم عناصر فعالة في مرحلة من مراحل الوجود البشري، خصيبة انسانياً وروحياً، ما زلتم مؤتمنين على رسالة تقومون بها وعلى مساهمة تؤدونها”.