رحاب الدير

 قريبة عليك أوبعيدة
مار الياس القديمة.. كنيسة تشفي

الجميع يتساءل: ما هو سرّ كنيسة مار الياس القديمة، تجذب إليها الناس على مدار الساعة دون توقّف؟ أهو تاريخها العريق؟ أم موقعها الاستراتيجي؟ أم جمال قرميدها وقبّتها وحجرها الداخلي؟ تسأل روّادها عن سرّها فلا يجيبون معتقدين بإيمانٍ كلّي أنّ سرّها أبعد من إدراكهم، أعمق من التاريخ وأوسع من المواقع وحيٌّ لا كالحجر. إنّه سرّ ذلك الخفيّ المحبوس ببيت القربان هنا. هو الذي اختار هذه الكنيسة بالذات مسكناً له منذ الدهور، فرح بناسها وبقوّة إيمانهم فجذبهم إليه.

 

old church (4)

عندما نتحدّث عن جاذبية مكان لا يكون الحديث بالإجمال عن فخامة البناء وروعة الأثاث ونفاسة التحف، بل عن ذكريات تلتصق بكلّ حجر من حجارته وشعور يربطك بكلّ زاوية من زواياه، تاريخ مشترك بينك وبينه. قصّة عمر وحياة، لحظات تُعاش وأخرى تُسترجع. لحظات مشاركة فرح وحزن، مأساة ومواساة. هذه هي صبغة كنيسة مار الياس القديمة. لكن من يصبغ المكان، أي مكان بهذه الحميمية؟ إنّه ربّ البيت، سيّد الأمكنة والأزمان، حاضرٌ في كلّ وقت، تأتيه متى تشاء فهو يستقبلك على وقتك أنت لا على وقته هو. حضوره هنا، في كنيسة مار الياس القديمة، وبشهادة الكثيرين، قويٌّ بقوّة الروح ورهبة الأماكن المقدّسة التي تطأها أقدامك كلّ يوم دون أن تدري.

هنا، وسط المدينة وعجقة السيارات وزماميرها وحركة الحياة اليومية وضجّة ناسها التي تفقدك صوابك وتغرقك في الاهتمامات الدنيوية، يقدّم لك الربّ واحة للهدوء لتعود لذاتك ولو للحظات تستمدّ منه القوّة لتبدأ نهارك أو تكمله أو تنهيه. هنا، وسط هموم الناس وجهدهم المضني لجني لقمة العيش، وسط سائقي التاكسي وأصحاب محلاّت الساحة وتلامذة المدارس الذين "يُقَوْدِمون" (أي يقصّرون الطريق) من الكنيسة وأدراجها، وسط الموظّفين والعمّال الذين بات مار الياس محطّة يومية لهم ونقطة التقاء، وسط العاطلين عن العمل والشيوخ والكهّال الذين يفتّشون عن أنيسٍ وجليس، وسط الأغنياء الذين يوقفون سياراتهم الفخمة أمام باب الكنيسة والمتسوّلين الذين يستعطون النعمة، وسط الرهبان والعلمانيّين، يفتح الربّ في كنيسة مار الياس القديمة باباً واسعاً للصداقة من دون شروط.

أتبحث عن صديق؟

الربّ هنا ينزل إلى مستوى إنسانيتك، صديقٌ لك وللجميع. متفرّغٌ لك حاضرٌ معك كلّ الحضور كأنّك وحدك معه لكنّ سرّه أنه حاضر مع غيرك في الوقت نفسه. لذا يجذب إليه الكثيرين. إنه، في مار الياس - أنطلياس الصديق دون منازع، ينتظرك ليصغي إليك وتصغي إليه. تململ، تذمّر قدر ما تشاء فهو لا يتذمّر منك أبداً بل على العكس ينتبه إلى أدقّ التفاصيل وأكبرها. من الدرس والامتحان إلى الدَيْنِ والمعاش فالبنزين والخبز إلى العلاقة مع ربّ العمل والعمّال... معه تبلغ المشاركة أوجها وتندثر الهموم في بئر عميق. يعطيك في المقابل صبراً وطواعية ويحوّل نظرك إلى الكنز الأسمى: الملكوت. فاطلبه أوّلاً والباقي يعطى لك ويزاد.

من السادسة صباحاً وحتى قبيل منتصف الليل، باب الكنيسة القديمة مفتوح. قلّما تدخله وتجد الربّ وحيداً. فهو "لا يملّ" أبداً في هذا المكان، دائماً لديه جليس يحدّثه ويؤانسه وكأنّ الناس يتناوبون الحضور من دون تنسيق ودراية. شفاهٌ تتمتم، ركبٌ تسجد، رؤوسٌ تنحني، عيونٌ تشخص وتدمع، يدٌ تقرع على الصدر، سبحةٌ تكرّ، شمعةٌ تضاء تحمل معها الشكر أو الطلب أو تستنير بإلهام الروح لقرارٍ مهمّ على مفترق طرق. ناسٌ يدخلون ويخرجون في حركة دائمة، بعضهم يمضي ساعات تأمّل، منهم من يصمت لأن في الصمت صلاة أيضاً ومنهم من يسترخي في أحضان الآب حتى إنه قد يغفو على مقاعد الكنيسة. وبعضهم الآخر يمرّ للحظات ليلقي التحيّة على ربّ البيت بمجرّد صليب يرسمه على جبينه علامة استحضارٍ له واتّكال عليه. حتى متى أُقفِل باب الكنيسة ليلاً للضرورة، لا يتردّد المؤمنون من تقبيل حجارتها من الخارج أو الوقوف أمام باب الحديد ساجدين فهو لا يشكّل حاجزاً بينهم وبين من يخترق كلّ الحواجز.

لماذا يا مار الياس؟

هذه الحواجز الحديدية على أبواب الكنيسة وشبابيكها وُضعت وأقفلت الأبواب ليلاً خوفاً من السرقة إذ إن كنيسة مار الياس القديمة سُرقت مرّتين بعد ترميمها عام 1993. وكثيرٌ من الناس تساءلوا حينئذٍ كيف يسمح مار الياس بهذه السرقة ولماذا لا يستعمل سيفه سطواً في هذه الحال؟ "فهو المسؤول المباشر عن هذه الكنيسة التي تحمل اسمه". وقد فاتهم أنّ سيف مار الياس في أعلى الكنيسة يسطع للحقّ لا للتهديد وصورته في الصدر استحضار لشفاعته لا للإدانة.

إلاّ أنّ "العتب من كتر المحبّة" وعتب أهالي أنطلياس وروّاد كنيستها من كثرة محبّتهم لشفيعهم. فقلّما تلتقي بواحدٍ منهم ولا يخبرك عن "أعجوبة عملها معو مار الياس" ولا بدّ من عبارة "عليه السلام". مع كلّ علامات الاستفهام حول صحّة تلك العجائب يبقى الأهمّ قوّة إيمان أولئك المستشفعين والأعجوبة الأكبر تأتي عادةً خفيّة تحمل معها تحوّلاً داخلياً يشعر به صاحبه ويلمسه اشراقاً من حوله. ومع مار الياس من يسانده بالشفاعة: ريتا وشربل، يحلاّن في مزاريهما، يصغيان إلى صلوات المتضرّعين ويحملانها إلى الربّ بأيدٍ طاهرة، من دون أن ننسى ذخائر القديسين في المزار يمين المذبح. وأولى الشفيعات في صدر الكنيسة قرب الربّ أم الله ملكة القلوب، تضع يديها على قلبها وتشخص عيناها إلى العلى حاملةً كلّ الرجاء والثقة التي وضعها المؤمنون بها.

مواسم العيد

فليس عجباً أن تغصّ كنيسة مار الياس القديمة بالمؤمنين خلال شهر أيّار، الشهر المريمي، لتكريم أمّ الله وأمّهم بعد الذبيحة الإلهية صباحاً ومساءً. فمنهم من يصطفّون خارجاً قرب أبواب الكنيسة وعلى شبابيكها لضيق المكان بهم. إنّها الأمّ التي تجمع شمل أبنائها فتتوحّد صلواتهم وتعلو الهتافات والترانيم وتعبق الأجواء برائحة البخور تكريماً وابتهال تلي التلاوة اليومية للسبحة قبل القدّاس. وإذا كان هدف العذراء أن تسوق القطيع لتوصله إلى الراعي بأمان، فمن الطبيعي أن تشدّهم بعد الشهر المريمي إلى تكريم قلب ابنها الجريح خلال شهر حزيران. ففي شهر قلب يسوع أيضاً، تغرق الكنيسة باللون الأحمر بعد الأزرق وتلصق به كلّ جروحات القلوب لتنضمّ إلى جروحات قلب الربّ الطاهر فتضمّدها هذه الأخيرة.

هكذا مواسم العيد في كنيسة مار الياس القديمة، مواسم فرح ومشاركة واتّحاد مع السماء. إلاّ أنّ هذه المواسم لا تقتصر على شهري أيّار وحزيران ولا على المناسبات والأعياد الكبيرة والصغيرة بل إنّها مواسم لا تنضب مستمرّة طوال السنة لا تعرف الكلل ولا الملل. فمن يستقي من النبع مرّة، يعود إليه كلّ مرّة ويطلب الارتواء منه باستمرار. وكنيسة مار الياس القديمة تؤمّن هذا الارتواء للمؤمنين يومياً بالكلمة وكسر الخبز والصلاة والتأمّل والمشاركة.

 

old church (1)old church (3)

صلاة الفرض

ومنذ العام 1999 استعيدت صلوات الفرض مع كهنة الدير صباحاً ومساءً ليستعاد معها إحياء الروح الديريّ وتوثيق روابط الجماعة بالصلاة معاً للاستحضار الدائم لوثاق رباط المحبّة. ولأنّهم أرادوا الدير مفتوحاً وموضع شراكة مع العلمانيين كتاريخ أديرتنا القديمة، أصرّ الآباء أن يتشارك المؤمنون في صلاة الفرض في الكنيسة صباحاً ومساءً قبل القدّاس لتمتين الوحدة الرهبانية العلمانية. فطُبعت الكتب لهم بالسريانية مترجمة إلى العربية. أحبّ المؤمنون الفكرة واشتركوا كثيراً بالصلاة، يحفظون أدوارهم ويشاركون بعفوية كليّة، يسبقون الرهبان إلى الكنيسة حتى في الصباح الباكر فيهيّئون أنفسهم للصلاة معهم. ويستمرّ هذا المشروع، مشروع الصلاة المشتركة، بالنجاح كما يزداد عدد المشاركين يوماً بعد يوم ليعيد لعنوان الشراكة رهجه وأهميّته فتكون الثمار ودّاً متبادلاً.

الكنيسة المزار

في كنيسة مار الياس - أنطلياس القديمة حركة إيمان يومية، وجوه تجدها هنا كلّ يوم في المكان نفسه والساعة نفسها، ووجوه تأتي جديدة، ووجوه تروح وتتغيّر حاملة الذكرى وكلّ ما استقته من النبع. مع هؤلاء تغدو كنيسة مار الياس - أنطلياس مزاراً للحجّاج اليوميّين. فهي لا تفقد ما اتّسم به تاريخها؛ منذ أن بُنيت على أنقاض هيكل وثني في القرن الخامس وحتى فترة طويلة، كانت الكنيسة الوحيدة على الساحل من نهر الكلب إلى نهر بيروت. كانت قبواً مصلباً وأمامها رواق من التوتياء. سنة 1887 هدم الأب دانيال الزغبي الرئيس يومذاك، البناء القديم وبنى الكنيسة وسقفها بالقرميد. وسنة 1892 كان بناء قبة الجرس الحديدية وتوسيع أبواب الكنيسة ونوافذها، والمذابح الصغيرة. وظلّت تضيق بالزوّار المؤمنين فبُنيت الكنيسة الكبرى قربها. لكن الكنيسة القديمة لم تُهدم وتُوسّع لأنها أصبحت أثرية تحمل تاريخ العامية والرحابنة، ففي سنة 1990 قرّر جمهور الدير آنذاك برئاسة الأب إيلي الحاج ترميمها، فأخذت شكلها الحالي مع القبّة الحجرية، وأعيد ترميمها سنة 2003 بهمّة رئيس الدير الأسبق الأباتي داود رعيدي.

واليوم كنيسة مار الياس الكبرى أصبحت هي بدورها تضيق بالمصلّين على رغم وفرة الاحتفالات في العيد الواحد، فماذا بعد؟