تاريخ الدير

دير مار الياس – أنطلياس: قالب اتّسع على قدر القلب والتاريخ

منذ القِدَم جعل المسيحيّون اللبنانيّون من الأديرة، في ضيعهم وبلداتهم، مرجعية دينية اجتماعية أو حتى سياسية في بعض الأحيان. كان الاهتمام بدعم الأديرة بشراً وحجراً علامة حلول رهبانيّ ووجود مسيحي متثبّت. كذلك حال دير مار الياس أنطلياس الذي فتح أبوابه منذ تأسيسه للناس والثقافات والأديان وصار الدير المزار قرب الكنيسة المزار وكان يتّسع في البناء مع ازدياد حاجات البلدة. لكن مع انشغال الآباء الأسلاف منذ حوالي ثلاثين سنة ببناء الكنيسة الكبيرة وترميم الكنيسة الصغيرة لم يكن الاهتمام منصبّاً على الدير فكانت حالة بنائه تزداد سوءاً يوماً بعد يوم حتى لم يعد صالحاً للسكن. أضف إلى أنّه لا يلبّي حاجة الرعيّة من الرهبان إذ لا يتّسع إلاّ لأربعة منهم فقط. فانطلقت الورشة بعد ورش عدّة قامت لتوسيع الدير منذ أن استلمته الرهبنة الأنطونية عام 1723. فكيف كان؟ وكيف أصبح؟ وما هي المراحل التي مرّ بها البناء حتى يومنا هذا؟

من أقبية قديمة إلى غرف خشبية فأبنية حجرية، كان بناء دير مار الياس أنطلياس يتطوّر مع تطوّر تاريخ الرهبان الأنطونيين وتفاقم دورهم في منطقة الساحل.
جاء في كتاب “تاريخ الرهبانية الأنطونية” للآباتي عمّانوئيل البعبداتي عن تاريخ إنشاء دير مار الياس – أنطلياس أنّه يعود إلى أجيال المردة سكّان جبل لبنان وسوريا في القرن السابع (622)، وتشير الآثارات القديمة التي وُجدت تحت ساحة أنطلياس إلى قدمية الكنيسة والدير، وقد جدد المردة بناءه أكثر من مرة.
في سنة 1723 تسلمت الرهبانية الأنطونية الدير من يد البطريرك يعقوب عواد أيام الرئيس العام القس بطرس عطايا الذي أخذ في عماره. البناء الأوّل كان يحتوي على قبو شمال الكنيسة ويمتدّ إلى قبو شمالي آخر. ثمّ بنى الغرف فوق القبو الشمالي مع ايوان في وسط الغرف يُصعد إليها بدرج ضيّق صغير.

وفي عهد رئاسة الأب تادروس الشوفي على الدير في سنة 1820 زاد على الغرف فوق الدكان غرفاً للضيوف مع رواق غربية. وفي عهد القسّ جبرائيل البرمّاني 1860 عمَّر غرفة كبيرة فوق الكنيسة ولصقها ايواناً كبيراً سقفه من التوتياء. أمّا في عهد القسّ جناديوس الزكريتي 1880 فقد هدم الغرف التي فوق الأقبية كلّها وأقام رواقاً سفلياً إلى الجهة البحرية وحوّلها إلى دكاكين تعطي ايراداً للدير وفوق هذه الدكاكين بنى غرفاً للرهبان وللزوّار أيضاً. علماً أنه حتى بداية القرن العشرين كان الدير لا يتّسع إلاّ لراهب أو لراهبين.

أحدث الأب دانيال الزغبي في سنة 1893 تغييراً على الدير خصوصاً على الكنيسة عندما بنى صالتين مكان الغرف التي بناها الأب جناديوس الزكريتي وسقَفها بقرميد وبلّطها بالرخام الصناعي وفرشها بمفروشات لائقة وهدم الكنيسة سنة 1895 المؤلَّفة من قبو واحد بشكل انبوب وكبّرها طولاً وعرضاً وعلواً وسقَفها بالقرميد كما هي الآن نازعاً عن سطحها العمار القديم.

لم يعرف الدير تغييراً جذرياً إلاّ في مطلع القرن العشرين في عهد الأب جرجس كرم 1922 – 1929 الذي عَدَل عن فكرة ترميم الدير في مكانه أو توسيعه، فكتب إلى الرئاسة العامة في الرهبانية طالباً منهم ما يلي:
“انه في الساعة السابعة من نهار الاثنين مساءً الواقع في الثالث من كانون الاول من 1923 التأم مجمعنا الديري في دير مار الياس انطلياس وقرر ما يأتي:
انه لما كان دير مار الياس انطلياس واقع في نقطة متوسطة وبالقرب من بيروت،
ولما كان مقصوداً من الزوار من كافة الطوائف،
ولما كان مقصوداً ما كافة ابناء الرهبانية الذين يؤمون بيروت لمصالح الرهبانية او للمناظرة على املاك الرهبانية في الساحل،
ولما كان الدير المذكور لا يفي بالمقصود من استيعاب الجماهير المتقاطرة اليه من جهة ضيق مساكنه،
ولما كان لا بد لنا من احداث بنايات جديدة فيه وكانت مساحة ارضه لا تكفي للبناء المطلوب وغير موافق صحياً،
ولما كان مركزه الحالي لا يوافق للبناء لأنه موجود بين طريقين عموديتين، طريق طرابلس وطريق بكفيا زحله،
جئنا نلتمس من قدس النائب العام “يوسف العرموني” والاباء المستشارين النظر في امر تعيين محلاً موافقاً لبناء الدير المذكور وتكليف احد المهندسين لعمل خارطة موافقة لراحة رهبانه بعيداً عن الطريق العمومية ونحن نتعهّد اننا نباشر في البناء ونتابعه حتى النهاية دون ان نشتري او نبيع شيئاً من املاك الدير الثابتة او المنتقلة، ونخضع لتنفيذ هذا القرار لحكمتكم والامر امركم.
كاتبه الأب جرجس كرم رئيس الدير”.

بعد أخذ الموافقة من الرهبانية باشر العمل الأب جرجس كرم في بناء الدير في 11 تشرين الثاني 1927 على اثر الحصول على خريطة البناء من المهندس فؤاد خوري في 3 تشرين الأول 1927. تألّف الدير الجديد من ثلاثة طوابق من أرضي ووسطي وعلوي على مساحة 250 متر مربع لكلّ طابق. انتهى بناؤه في 9 تمّوز 1929 وأصبح بذلك يستوعب حوالى أربعة رهبان. أُدخلت بعض التعديلات على البناء سنة 1958 خصوصاً في الطابق الأرضي في عهد الأب مخائيل معوّض رئيس الدير من حيث علو الطابق الذي بعد حفر الأرض ارتفع مستواه. وإلى عام 2000 لم يتمّ أيّ تعديل كبير على الدير سوى بعض الصيانات الطفيفة والملحّة.

توسيع وترميم

مع تزايد عدد سكّان أنطلياس وكثرة النشاطات في الرعيّة، أصبحت الحاجة تتطلّب حضوراً أكبر من الرهبانية؛ وبما أن الدير القديم لم يكن يستوعب أكثر من أربعة رهبان؛ ويملك بجنبه مدرسة مقفلة منذ سنة 1984، ارتأى جمهور الدير آنذاك برئاسة الأباتي انطوان راجح وبموافقة السلطة العامة في الرهبانية توسيع الدير ليمتدّ إلى المدرسة ويشملها. والشيء الذي سرَّع فكرة ترميم الدير وتوسيعه هو حالته المتردّية وسقوفه لم تعد تحمل البناء بحسب دراسة الخبراء. بدأ العمل أوّلاً في اصلاح المدرسة وإعادة ترميمها في أوائل تمّوز 2000، فأصبح مدخلها واحداً مع مدخل الدير ونُزِع منها درجها وجدرانها الداخلية المدروسة أساساً لتكون صفوفاً لتصبح غرفاً لسكن الرهبان وأصبحت تستوعب أربعة غرف منامة اضافية في الطابق العلوي وغرفة للأكل والمطبخ والغسيل في الطابق المتوسّط وصالونان للرعيّة مع منافعهما في الطابق الأرضي وزيد على البناء قناطر جميلة تمتدّ من الكنيسة صعوداً إلى آخر مبنى المدرسة. أمّا شكلها الخارجي فتغيّر كلّياً لينسجم مع شكل الدير خارجياً.

انتهى ترميم المدرسة في عيد الميلاد 2000 وانتقل إليها سكن الآباء، فالدير بحلّته الجديدة يتّسع لحوالي 10 رهبان يكونون في خدمة الرعيّة كما بإمكانه ايواء ثلاثة اشخاص يخدمونه ويسكنون في غرف اضافية لُحظت لهم.

تفرح اليوم أنطلياس بالحلّة الجديدة والأثرية في آن لديرها، فيأتي البناء مكمِّلاً للأهميّة المعنوية التي يعطيها أهل البلدة والمنطقة لهذا الموقع التاريخي والديني.