شاهد من أهله

P Jean Saderبقلم الأب يوحنا الحبيب صادر

 

ذكرياتي عن قداس الشباب

منطلقه ومميزاته

منطلقه: من نادي الشراع الى قدّاس الشباب
بعد تجربة طويلة للشباب، في نادي الشراع، وبعد تمكين الصداقة بينهم، وتعميق البحث في لقاءاتهم، شعروا بضرورة اللقاء بالعمق، وتساءلوا: لماذا نحن "معاً" في الثقافة، وفي الاجتماعيات، وفي الرحلات، ولا نكون "معاً" في التعبير عن إيماننا وفي عيش هذا الإيمان؟ لماذا لا تكون لنا ليتورجية خاصة، دون تفرقة طائفية.
 
ورأوا أن القداس، لكي يكون قداس "الجماعة" عليه أن يحمل آلام الجماعة وآمالها... وللشباب آمالهم وآلامهم وهم لا يجدون لها مطرحاً واضحاً في القداس الرعوي العادي.
 
ولأن الشباب المنتمين الى طوائف متعدّدة، يعيشون اليوم في مجتمع واحد، معرّضين للمشاكل، والمعضلات، والتجارب نفسها: في المدرسة وفي الجامعة، وفي المكتب، وفي المجتمع... فهم بحاجة الى التحلّق "معاً" حول مشاكلهم المشتركة، في محاولة حلّها.
 
ولأن "لغتهم" واحدة، لأنهم أبناء حضارة معاصرة واحدة، كان للتعبير الموحّد عندهم أهمية كبرى: فهم يقرأون العربية، ويتكلّمون العربية المحكية، ويصغون الى الموسيقى نفسها، ويتأثّرون بالمسرح الحديث، والموسيقى الحديثة، والأزياء الحديثة عينها. لذلك فهم لا يرون ضرورة المحافظة على تعدّد الليتورجيات، التي نشأت في حضارات متغايرة، وتبنّت لغات العصر آنذاك المختلفة. أمّا الآن، وأمام الوضع الموحّد، فلا بدّ من التفتيش عن صيغة ليتورجية موحّدة تحمل قضاياهم، بلغة اليوم الموحّدة.
 
من هنا كان استعمال العربية في الليتورجية وكان تبديل كلّ وسائل التعبير (الحركات، الملابس، التزين، الموسيقى، الصور...) بحيث تكون حيّة، وواضحة المعاني والرموز.
 
 
 
مميّزاته: ولكي يصبح هذا القدّاس في الحقيقة قدّاس الشباب، كان عليه أن يكون:
وحدوياً: يجمع الشباب المؤمن بالمسيح الى أية طائفة انتموا، لا انطلاقاً من ضرورة الوحدة فقط، بل من أجل التعبير الصادق عن الوحدة وعن اللقاء الحاصلين في صفوف الشباب بحكم عيشهم المشترك.
 
معاصراً: بحيث يعتمد على قانون التخاطب السائد اليوم، من حيث اللغة، والرموز، والملابس، والموسيقى، والأوان، فيتكلّم بالعربية الفصحى، والمحكية، ويستعمل الآلات الموسيقية الرائجة، ويتبيّن ألوان العصر، ورموزه، لتكون في خدمة الجوهر: الذي هو عيش التذكار، تذكار موت المسيح وقيامته وانتظار عودته وادخاله في صلب حياتنا اليومية.
 
اختبارياً: يسعون للوصول الى أصفى وسائل التعبير وأعمقها، مبدلاً الوسائل غير متجمّد في صيغة نهائية محاولاً التغيير من أجل الوصول الى الصيغة الأبسط، والأقرب الى الحياة.
 
شخصانياً: فتكون صلواته، أناشيد، وقراءاته، نابعة من قلب هموم الشباب، ومن قلب طموحهم، ومن قلب ايمانهم وشكّهم: فلا مكان فيه للتعبير المغفل والذي يبقى بلا علاقة بحياة  الشباب وبتطلّعاتهم.
فخدمة الكلمة هي قراءة حياة الشباب، ورسم دربهم على نور كلام الله،
والصلاة هي عبادة، وشكر، واصغاء، وطلب... تنبع كلّها من قلب حياة الشباب ومن قلب القضايا المطروحة عليهم اليوم
والأناشيد تعتمد على آيات الكتاب المقدّس التي لا تبوخ، وعلى الكلمة المكتوبة شعراً (موزوناً ومتقفّى أم لا) والنابعة من قلب تجربة الحياة، والمعبّرة بصورة بسيطة عن الايمان والرجاء،
والملابس، والحركات، والاضاءة، والزينة، مأخوذة من قلب حياة شاب اليوم، متبنّية التغيير ليس من أجل التغيير، بل .من أجل خدمة الجوهر "الثابت"، في تركيز عليه، قوي
 
تطبيقياً: بحيث ينتهي الاحتفال بموقف يُدعى فيه المؤمنون للاقتناع به وتبنّيه
في المجال القريب: فينادى لعيش المحبة، خلال الأسبوع بقبول من لم نكن نقبلهم، أو باحترام من لم نكن نحترمهم.
وفي المجال البعيد: بتخطيط لمجتمع جديد، مبني على المحبة والغفران المتبادل، في بدء من الذات، ومن حلقتنا الصغيرة، وفي سعي لتعميم هذا المسلك في دائرة لا تتوقّف عن التوسّع والانتشار.
 
شاملاً: ينطلق من التجربة الفردية، ومن الوجع الفردي، ومن الآمال الفردية، ليشمل الكلّ، دون أن يسقط أحداً من حسابه، عارفاً بأن المسيح هو للجميع وأن الغريب أي غريب له حقّه ودوره في حمل البشارة، وفي عيش تذكار موت الربّ وقيامته. فيذكر هذا القدّاس المؤمن والملحد، والظالم والمظلوم والغني والفقير، والبعيد والقريب، دون أن يلتصق بفريق، دون غيره عائداً في موقفه الى كلام الله والى عيش الكنيسة، والى وحي الروح.
 
ملتصقاً بالحياة: نابعاً من قلب حياة الشباب اليوم، الآتين من النضال السياسي، ومن الخدمة الاجتماعية، ومن كتب التحصيل العلمي، ومن عناء المسؤولية، ومن تعب العمال، ومن رؤى الفنانين، ومن أحلام الثوّار، ومن عطش الاخوة الى اللقاء... فلا يقبل الفصل بين حياة السياسة وحياة الايمان، وبين السعي خلف العيش والسعي خلف الأمانة للربّ... ويكون هذا القدّاس تعبيراً عن كلّ هذا، ومجال فحص ضمير حول الأمانة للربّ في كلّ مجالات الحياة.
 
فسحة عيد: ويكون هذا القدّاس، رغم صعوبات الحياة ومآسيها، مجال عيد، فيه الفرح والرجاء، وفيه السعي لعيش الحاضر بفرح ولانتظار الغد بأمل كبير. إنه فسحة عيد في قلب أسبوع تعب.
 
حصيلة السنوات
بعد مرور أكثر من أربعين سنة على إحياء قدّاس الشباب في أنطلياس، عاشها العديد من الشباب في ظروف سياسية، واجتماعية، وكنسية متنوّعة يمكن تلخيص حصيلته بما يلي:
الثقة بالكنيسة: ساعة وجد الشباب مكاناً لهم في الكنيسة عادت الثقة إليهم بنفسهم وبالكنيسة التي قبلتهم وبالدور المنتظر منهم
الثقة بالكنيسة الواحدة: وآمنوا بأن الكنيسة واحدة، وبرغم اختلافاتها، وانقساماتها، لأن المسيح هو ضمانة وحدتها
الولع بالمسيح: وأصبح المسيح عندهم هو النجم الأكثر اغراء، والقادر على تأسيس حياتهم وعلى جعلها ينبوع دهشة وإشراق.