القداس الماروني

تحية للأب بولس الأشقر: الرحباني صلّى ولحّن في أنطلياس

بقلم: غدي الرحباني

ربما توقع الاب بولس الاشقر حين كان خادماً في كنيسة مار الياس القديمة في انطلياس، انه سيأتي يوم وتقدَّم له فيه تحية. وربما توقع ان تأتي التحية من فتيان اوفياء لم ينسوا المعلم وشهرتهم الرحباني. ولكن ما لم يتوقعه حتماً ان تأتي التحية عظيمةً بهذا الحجم، تجمع الروحانية والقدسية والفن، كما أحب هو، في آن معاً. أتى اليوم الثالث عشر من شباط 2000 وكانت التحية من منصور الرحباني قداساً مارونياً قرنه الناس بـ”أل” التعريف وتداولوا به على أنه “القداس الماروني” لفرحهم بعمل كهذا. أما المكان فلا جدل. إنها الكنيسة التي احتضنت الأب بولس الاشقر ومنصور الرحباني والتي كبرت بمن سجد فيها وخدمها وأحبها فاتسعت أضعافاً عن بنائها القديم لتستوعب كل المخلصين.

على ذروة الألفين تحية للآتين رُفع هذا القداس. شاءه منصور الرحباني تحية الى معلمه الأب الانطوني “بولس الأشقر” ورجاءً لخلاص لبنان وقيامته أقانيم ثلاثة حاضرة في القداس الالهي إهداء الى الآتين الى المجهول المستقبلي الوجوههم مضاءة. أجيال من الأطفال والبشر المتجهين الى النور الالهي وفاء وتقدير واجلال الى معلم كانت نعمة العطاء عنده صلاة ترفع في المساء. فكما اخذ أعطى مجاناً وعلم تلميذه، ليعطي بدوره الاجيال القادمة رجاء قيامة لبنان الوطن الذي يُصلب كل يوم بانتظار القيامة.

بالفرح الالهي رفع منصور الرحباني صلاته في الصمت الاوسع. بهاؤك يا الله فرح الكون ووجهك شمس خلاصي. في البدء كان الترتيل “كولوسي 16:3″، والترتيل هو انفتاح الكون على عطايا الله اللامتناهية. المسيحية هي دين الفرح والانعتاق الى الفضاء الاوسع، الى الصمت الاوسع، الى وجه الله شمس خلاصنا الدائمة الاشتعال بالنقاوة والقداسة، الى اتساع الارض ورجوعها اليك يا فائقاً كل مديح وغالب الموت بالموت.

من هنا كان التسبيح للرب بالموسيقى بالعود والكنارة بالبوق والقيثارة. كل نسمة سبحت الرب في هذا الاحد المبارك. من افواه الجوقة الكبيرة تعالت نسمات الفرح واصوات التمجيد بالرب الكلي القداسة والطهارة.

وعلى الطقس الماروني السرياني بالاخص، قُدمت الذبيحة الالهية من انطلياس – بلدة منصور الرحباني، وفي كنيسة مار الياس نفسها التي تعلم فيها وخدم وشكر الله على نعمه وعطاياه: فيا ربي عطاياك لامتناهية ويداي صغيرتان. أسكب فسوف تفنى الاجيال ويبقى في يديّ فراغ. ومن فراغ اليدين اعاد منصور التراث السرياني الى عتبات الكنيسة المارونية الموغلة بالصخر ، المتشبئة بأرض الارز وقدم الاديرة وبرودة حيطانها المنتصرة على الخوف والتهجير.

طربٌ بتخشّع

من هنا كان تأكيد منصور الرحباني على اعادة التراث والتراتيل السريانية بالنمط نفسه وبالاطلاقة الصوتية نفسها. بالرجولة القديمة المخبأة بقلوب الرهبان الاولين وصلواتهم. وما أجمل تمجيد اسم الرب واطلاقه عالياً بالموسيقى المكتوبة بعناية فائقة وبالتوزيع الموسيقي العالي الاداء. فالآباء الذين رنموا قدموا الذبيحة الالهية اختارهم منصور بعد كتابته وتلحينه للمقاطع التي كانت تقرأ قراءة من قبل. فلحنها تلحيناً بارعاً من دون تطويل لا منفعة منه. وكما هو معروف ان الخشوع يتنكر للطرب.

جاءت هذه المقاطع الملحنة ببراعتها وقدسيتها طرباً خشوعياً. ووزع المزامير والتراتيل القديمة فأتى القداس تحفة موسيقية فائقة البراعة والانسجام.

هذا القداس الالهي اراده مؤلفه الموسيقي منصور الرحباني عملاً قدسياً وفنياً في آن. وكان الانسجام واضحاً بين الآباء وبين الجوقة المرنمة والفرقة الموسيقية. عمل اوبرالي يتناوب على تأديته الآباء والكورس وفي كثير من المرات ينفرد الغناء الآحادي الصوت بشياكة الغناء المهذب وابقاء الروحانية المسيحية المشرقية ان لجهة تركيب الجمل الموسيقية او لجهة الغناء الكورالي الضخم. اما ابقاء وزيادة الايقاعات الشرقية مثل الناقوس والصنج والدفوف فمردّه ان الطقس السرياني هو طقس الايقاع الكلامي والموسيقي. وهو أكبر دليل وأسطع برهان على تأثيره تأثيراً مباشراً بالفولكلور اللبناني وما رافقه من أهازيج وتراويح وشعر زجلي يثبت ان هذا الطقس هو في اساس العمارة الموسيقية الشرقية والفولكلور الموروث ومثالاً على ذلك ترتيلة: “لمريم يولدات ألوهو” (هللويا، لوالدة الله الأم العذراء) التي هي في اساس ونبع الشعر الزجلي والموشح اللبناني.

مد سماوي

لم يؤلَّف موسيقياً هذا القداس على غرار الاعمال الموسيقية الكنائسية والقداديس اللاتينية لكبار المؤلفين مثل قداس “بتهوفن” او صلاة الرحمة ” لـ”برليوز” او المسيح لـ”هندل” او حتى الاعمال الكنائسية العديدة لـ”باخ”. لكنه كان متساوياً بالبراعة والجوهر مع تلك الاعمال وجاء عملاً مشرقياً نهل من الروحانية والليتورجيا الشرقية السريانية ومن البيئة المعاشة: بالجوهر والاداء، بالكلمة المقدسة واللحن البدائي السرياني وزيادة وتأليف الموسيقى، مع تطوير في التقنية الموسيقية وتراكيب اللحن التوزيعي وتوافق الاصوات الكورالية، كما في اداء اللفظ البعيد كل البعد عن اللفظ الاوبرالي اللاتيني الغربي غير المفهوم، همه الاوحد ايصال الموسيقى. بل كان وقع الكلام المقدس في جوهره بتعادل متناسق مع الموسيقى لايصال رسالة الله والتمجيد باسمه.

من هنا جاء القداس الذي لحنه منصور الرحباني في الكنيسة مداً سماوياً جماليته تجاوزت احكام الجمال الدنيوي كما يتجاوز جسد الرب ودمه الخبز والخمر. وكما قال أب من آباء الكنيسة الشرقية وهو القديس “مكسيمس” المعترف: “يقال إن الله والانسان يتخذ احدهما الآخر نموذجاً فالله بمحبته البشر يتأنسن من اجل الانسان في القدر عينه الذي يتأله فيه الانسان من اجل الله متقوياً بالمحبة”. فكأن فكر منصور الرحباني وخشوعه وعشقه الالهي كان الملتقى الرمزي للإله والانسان في شخص الابن المتأنسن.