حركة قداس الشباب

ليتورجيا من الشباب وإليهم

 قداس الشباب يعني بالنسبة إلى الكثيرين الكورال والاوركسترا وألحاناً جديدة وتراتيل جميلة مع أداء متقن وكلمة غير عادية في أجواء حميمة وأخّاذة. القداس يعني بالتأكيد ما هو أهم من هذه الأمور الشكلية وأبعد منها ويتوجب على المؤمن فهمه في صميم حقيقته الإلهية. إلا أننا لن ندخل هنا في جوهر معنى القداس وسنتكلم على الجانب الليتورجي الذي يشكل مساهمة الشباب البارزة في خدمة الأسرار ويعطي لقداس الشباب منذ انطلاقه في انطلياس طابعه الفريد.

فلحيويتهم ليتورجية حية، لحركتهم حركة دائمة في القداس. لحماسهم تراتيل وموسيقى صارخة، لانتباههم كلمة تطال قلوبهم. لتعدد مذاهبهم جوّ مسكوني. لتساؤلاتهم أجوبة من كلمة الله ولهروبهم من مشاكلهم ملجأ يعيدهم إلى ذواتهم. فيخرجون منه بقوّة أكبر، بصحبة بركة الثالوث الأقدس، متحولين فيؤثرون من حولهم. لذا سُمّي القداس على اسمهم قداس الشباب.

الأبوان مارون عطاالله ويوحنا الحبيب صادر يحييان قداس الشباب في السبعينيات

الإنطلاقة

يكتسب قداس الشباب ميزته من خلال الحرص المستمر على التجدد الطقسي الذي يلازم مسيرته. وهكذا بدأت الانطلاقة الاولى في سنة 1970 بعد عودة الأب يوحنا الحبيب صادر من جامعة لوفان حاملاً معه تجربة واسعة وأفكاراً كثيرة حول التجدد الطقسي. مجموعة من العازفين الشباب أحيت القداديس من الطبقة العلوية في الكنيسة القديمة، نذكر من هؤلاء: فؤاد تكله (غيتار)، عصام صالح (غيتار)، أنطوان صالح (غيتار)، إيلي مقبل (باتري) وزاريه أوزونيان (أرغن). بعد انتقال القداس إلى الكنيسة الجديدة في سنة 1971، جرى إعداد جوقة كبيرة ضمن مجموعة من الشباب نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: ميشال عقل، هيام عقل، أنطوانيت سلامة، ريمون بتروني، موريس عواد وغيرهم، من دون أية شروط صوتية أو دروس موسيقية، بل عن قناعة في المشاركين بحمل قضية عبر التعبير الغنائي، بالكلمة وباللحن وبطريقة الاداء. وتشكلت أيضاً لجنة للكلمة جمعت عدداً من أعضاء الجوقة بالاضافة إلى عدد من الازواج ومن العناصر المثقفة.

أقيم أول قداس يوم الأحد 21 تشرين الثاني سنة 1971 بعد تحضير استغرق أربعة أشهر بإشراف الأب يوحنا الحبيب صادر، جمع نحو ثلاثة آلاف شخص وأحيته الجوقة بقيادة أنطوان غبريل الذي وضع للقداس مجموعة من الألحان ما تزال على كل لسان وفي كل أذن. من هذه التراتيل: توبوا، تعال تعال، ليكن جسدك السري يا ابن الله، كلمتك مصباح لخطاي وأرسل روحك ايها المسيح … ألخ

زياد الرحباني يعزف على الأرغن

 بين سنة 1973 و1976 تولى مسروب بيريجيكيان قيادة الكورال، التي كانت تكبر في كل سنة بدخول عناصر جديدة اليها، وساهم زياد الرحباني في وضع قسم من ألحان التراتيل التي كانت تتجدد باستمرار وتولى في الوقت نفسه العزف على الارغن في الوقت الذي كان بشارة الخوري يعزف على البيانو تشاركهما أوركسترا من فرقة “السانست” بكامل أعضائها. من تراتيل تلك المرحلة: نحن ساهرون ، طوبى للساعين إلى السلام، المجد لك، يا سيد الرجاء، يا من تعمدت، إذهبوا في الأرض كلها وغيرها.. جُمعت هذه التراتيل في اسطوانة عرفت باسم واحدة من مقطوعاتها الشهيرة: كيرياليسون.

 إلى جانب التعبير الغنائي باللحن والاداء، اتخذ الشباب من الكلمة وسيلة للصلاة والتعبير عن همومهم واهتماماتهم، لا سيما بعد زيارة تيزيه في سنة 1974، جرى على أثرها ربط قداس الشباب، من خلال الكلمة بصورة وثيقة وحية وجادة، بحياة الناس.

فؤاد فاضل يدير الجوقة

 بعد احداث 1975-1976 خرج قداس الشباب بألحان وتراتيل جديدة وُضعت لقداس “وليمة السلام” الذي رافق الخروج من حرب السنتين في ربيع 1977. شارك في وضع كلماته كل من يوسف الخال وجوزيف حرب بإشراف الأب سمعان عطاالله في ما يخص الليتورجيا، ولحنها زياد الرحباني وبشارة الخوري وأدار الجوقة فؤاد فاضل. وفي ربيع 1978 وضعت للقداس ألحاناً جديدة وعُرف بـ “قداس العنصرة”.

بين 1978 و2013 خمسة وثلاثون سنة مرت، وقداس الشباب في انطلياس يواصل مسيرته بحيوية بارزة. خلال هذه الفترة تناوب عدة أشخاص على ادارة الجوقة من فؤاد فاضل الى مرسيل عقيقي ووحيد عازار فأسامة الرحباني، من دون أن ننسى جهود شبان الرعية الذين درسوا الموسيقى وأتقنوها فساعدوا في إدارة الجوقة أمثال شادي جروش، جهاد سلوان وإدغار عون مدير الجوقة الحالي. ودخلت أناشيد جديدة متفرقة من ألحان فؤاد فاضل وبشارة الخوري ووحيد عازار ومنصور والياس وزياد وأسامة الرحباني. ولا بد من ذكر الدور الخلاّق الذي يتولاه الأب يوسف واكد الأنطوني على مدى السنوات، في كتابة الاناشيد المختلفة وتلحينها التي تدخل باستمرار في مجموعة قداس الشباب. واليوم، كما في السابق، يستند قداس الشباب على ركائز ثلاث وهي: لجنة الكلمة والإخراج وجوقة الانشاد.

للكلمة لجنة

تشكل لجنة الكلمة المحور الاساس، لا بل العامود الفقري لانجاح قداس الشباب، والبلوغ به إلى مرتبة تمكّنه من ايصال كلمة الرب ضمن الاطار الكنسي، دون تجاهل التطور الذي يخوّله استقطاب عدد كبير من المؤمنين، وذلك تحت اشراف الرعاة المعنيين. تجمع لجنة الكلمة، وبرئاسة الآباء المسؤولين عدداً من الاشخاص، ملتزمين بكنيسة المسيح، ومؤمنين بتعاليمه، عدا عن انهم من اصحاب اختصاصات متعددة كالهندسة، المحاماة، الفن، الصحافة، ادارة الاعمال، علم النفس، الكتابة والشعر… تجتمع لجنة الكلمة اسبوعياً في الساعة السابعة والنصف من مساء الاربعاء، وتبدأ بدرس نصَّي الانجيل والرسالة وتشريحهما فينبثق عنهما ورشة العمل التحضيرية لقداس الاحد والتي تتضمن: مقدمة، نوايا، شكران، افكار للعظة واخراج للقداس.

لجنة الكلمة في بداياتها

فالمقدمة تضع المشاركين في الاطار الزمني للدورة الطقسية وتطرح الخط الرئيس الذي اختارته لجنة الكلمة في تحضيرها، وتسلّط الأضواء على الحدث الانجيلي من دون التوسع في النص، ثم تطرح سؤالاً أو أكثر يكون بمثابة توعية أو ارشاد أو جواب على تساؤلات كثيرة يطرحها المؤمن. أما النوايا فلا تقتصر على الحد الانجيلي أو على نوايا كتاب القداس فحسب، إنما تشمل كل حدث يستجد على الصعيدين الوطني والعالمي. وتبقى النية الاولى ثابتة للصلاة من اجل الكنيسة وكذلك الصلاة مع الموتى المؤمنين (النية الأخيرة)، ثم يتم اختيار باقي النوايا حسب ما هو مطروح في نص الانجيل من افكار، وحسب ما هو مطروح من أحداث. ضمن الاصول نفسها المتّبعة في تحضير المقدمة والنوايا يأتي الشكران في ختام القداس عرفان جميل للرب. وليكون العمل متكاملاً، لا بد من التنسيق مع المحتفل فتُطابق العظة كل القراءات وتأتي لتتوّج العمل التحضيري.

الإخراج

جوزف عازار وآمال طنب يرنمان مع الجوقة

إن العدد الكبير الذي جمعه قداس الشباب في رعية مار الياس – انطلياس لم يكن صدفة. فبالاضافة إلى الكلمة جاءت عملية الاخراج لتخلق ما هو جديد وتجذب المشاركين. الهدف الرئيس من عملية الاخراج هو الابقاء على الجو الخشوعي المصلي خلال الاحتفال بالذبيحة الالهية، مع ما يمكن ابتكاره لجعل اكبر عدد من المؤمنين يشاركون في هذه العملية. فتنوعت الافكار وكان يتم اختيار العملية حسب الدورة الطقسية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، اشتراك جماعة ايمان ونور في قداس شفاء المخلع، وهكذا كان بإمكاننا كشف الناحية الايجابية لدور الإخوة في الجماعة وأمثالهم في مجتمعنا، وكيف أن “الذين يحسنون المشي ولم يقبلوا كلمة الرب هم المخلّعون”. ولا ننسى شهادات الحياة العديدة والمتنوعة للعلمانيين وأفكاراً أخرى كثيرة لا يمكن تلخيصها في هذه الاسطر. فلكل قداس أو زمن طقسي حركة توصل إلى المؤمنين الرسالة المرجوة وتجعلهم مشاركين فعّالين في الليتورجية.

جوقة الشباب بقيادة إدغار عون تخدم القداس

 جوقة الانشاد

 كان من الضروري العمل على تنشئة جوقة الانشاد ومساعدتها على النمو أكثر فأكثر لخلق توازن تام بين أفكار لجنة الكلمة وبين التراتيل التي تخلق جوّاً مميزاً خلال الذبيحة الالهية. وكان من اللازم ايضاً تفعيل علاقة اعضاء لجنة الكلمة مع اعضاء جوقة الانشاد من خلال المحاضرات واللقاءات الدينية والترفيهية. حالياً يتراوح عدد أعضاء الجوقة بين 30 و35 مشاركاً بإدارة إدغار عون، وهذا كله بإشراف آباء دير مار الياس أنطلياس، كهنة الرعية. وبجدية مطلقة يتم العمل، فالالتزام بالجوقة من المبادئ الاساس لبلوغ النجاح، اضافةً إلى التمارين المستمرة التي تؤدي إلى تحسين الاصوات وتهذيبها مع الجو الروحي الذي تغذّيه الرياضات الروحية واللقاءات العديدة التي أدت إلى خلق رباط أخوي متين. من ناحية أخرى، إختيار التراتيل يأتي موافقاً للزمن الليتورجي، أمّا الألحان، فيتمّ اختيار أجملها مع المحافظة على التراث والألحان القديمة، وتأديتها بطريقة جديدة. فجُمعت كل التراتيل ذات الألحان الجميلة، خصوصاً ما هو من تراث رعية مار الياس – أنطلياس كألحان الأساتذة زياد الرحباني وبشارة الخوري وفؤاد فاضل وأنطوان غبريل ووحيد عازار ومنصور الرحباني وأسامة الرحباني، إضافةً إلى تراتيل الآباء بولس الأشقر، يوسف واكد وألبير شرفان. وهكذا لم تعد التراتيل محصورة بمؤلّف واحد.

 هذا العرض السريع يشهد على غنى هذه التجربة وعمقها. ويبقى غناها الاساس بأنها تشكل في الوقت عينه، بالنسبة إلى الكثيرين من شبابنا، مسيرة روحية ذاتية مع المسيح على درب حياتهم التي نرجوها، مع قداس الشباب، طويلة ومشعة بالإيمان.