القديس حارث بن كعب

حياة القدّيسِ حارث بن كَعبْ ورفقائِه النَجرانيِّينَ

كان الحارثُ الرئيسَ على مدينة نجران وجوارِها، في شمالي اليَمَن، مسيحيًّا يسلُك في مخافةِ الله، يسوس مدينته، بالحكمة والدراية، ويشهدُ له الجميع بالفضل والفضيلة. وكان قد تقدّم كثيرًا في السنّ، عندما واجه سيفَ الاستشهاد.

وخبر استشهاده هكذا كان: إنَّ المتولّيَ على مملكة سبأ، أو المملكة الحِمْيَرِيّة، أي بلاد اليمن، آنئذٍ، كان يهوديًّا، اسمُهُ ذو النؤاس، وقد كان في صراعٍ مع ملك الحبشة المجاورة، كالِب (ألسَبَان) المسيحيّ. ولمّا كان ذو النوّاس يخشى جانبَ مدينةِ نجران اليمَنيّة أنْ تُعينَ عدوَّه عليه، بسببِ وحدةِ ايمانٍ بين نجران والحبشة، عزم على مَحْوِ المسيحيّة من هناك، فحشد لذلك قواتٍ كبيرةٍ من العسكرِ، وأتى، فحاصرَ المدينةَ. لكنّ نجران صَمَدَت. فأخذها بالحيلة. ولمّا دَخَلَها أعْمَلَ السيفَ في رِقاب بَنيها.

hareth

وكان يأتي بالناس إليه ويُخَيِّرَهم بين الموت ونكران المسيح. وأول مَن مَثُلَ لديه في المحاكمة شيخُ نجران، الحارث، وقد جيء به محمولاً، لأنّه كان قد بلغ الخامسة والتسعين من العمر.

وقف الحارثُ أمام الغازي، فأبدى شجاعةً فائقةً، واستعدادًا تامًّا لأنْ يموتَ من أجل اسم الربّ يسوع ولا يُنْكِره. وكان مع الحارث جَمْعٌ من الناس، بلغ عددهم أربعة الآف ومئتين وثلاثة وخمسين. فلمّا رأى ذو النؤاس أنَّ ثَنْيَ هذا الشيخ عن مسيحيّته أمرٌ مستحيل، أَمَرَ بالقضاء عليه، فقطعوا هامَتَهُ. وكما أبدى الحارثُ مثل هذه الأمانة، أبدى رفاقهُ أيضًا، فتسارعوا، الواحدُ بعد الآخَر، وأخذوا يَسِمون أنفُسَهُم، على الجبين بدم شيخهم وكبيرِهم، استعدادًا للموت. فما كان من ذي النؤاس سوى أنْ قَتَلهم جميعًا بِحَدِّ السيف.

هكذا اقتحم هؤلاء الأبطال جدارَ الخوفِ من الموتِ مُتَمّمين بدمائهم القول الإلهيّ الذي نطق به الرسول بولس: "إنَّهُ لا موتَ ولا حياةَ ولا ملائكةَ ولا رؤساءَ ولا قواتٍ ولا أمورَ حاضرةٌ ولا مستَقبَلَةٌ ... تستطيع أنْ تَفصِلَنا عن محَبَّةِ الله التي في المسيحِ يسوعَ ربِّنا"
بعدما جرى قطعُ هامة القدّيس الشهيد الحارث، تقدّم المؤمنون المجتمعون في المكان، وأخذوا يَسِمُون جباههم بدم الشهيد. وكان من بين الذين تقدّموا امرأةٌ لم يذكر التاريخُ اسمَها، ومعها صَبيٌّ عُمرُه ثلاث سنوات. فألقى الجنود القبضَ عليها وألقوها في النار. أمّا الولدُ فأخذه الملك، ذو النؤاس، ووضعه في حضنه، لكنّ الولد أخذ يتملمَلُ بين ذراعَيّ الملك، إلى أنْ تمكّن من الإفلات، فركض إلى النار، وانضمّ إلى أمّه، وهو يصرخ "أنا مسيحيّ، أنا مسيحيّ!". وهكذا قضى الاثنان معًا، شهيدَين للمسيح.

وفي الثلاثين من شهر أيلول 2011 أعلن سيادة المطران كاميلّو بَلّين، ألنائب الرسولي لمنطقة شمال الجزيرة العربية، ومركزه في الكويت، القدّيسَ حارث بن كعب شهيد نجران، جنوب الجزيرة العربية، شفيعا للمسيحيّين العاملين والقاطنين في بلاد الجزيرة العربية الذين ينتمون إلى كرسيه (الكويت، البحرين، قطر، السعودية): "القديس حارث إبنُ هذه الأرض وشاهدٌ للمسيحيّة، منذ القدم، وقبل الدعوة الإسلاميّة كان مثالاً للحوار والتفاعل بين الشعوب والحضارات"
إنَّ استشهاد حارث ورفاقه، وفاءً لإيمانهم بالله، كان له، في هذه المنطقة، الصدى الكبير، الذي سيسلك طريقه، لاحقاً، آياتٌ مدوّنةٌ على صفحات القرآن، بعد أكثر من خمسة وسبعين عاماً في "صورة البروج" وقد كُرِّست كلّها، واعتُمدت كنموذج في قلب الإسلام، للتأكيد على الإيمان حتى الاستشهاد. فبشفاعة قدّيسيك: الشهيد العظيم الحارث النجراني ورِفاقِه، والأُمِّ وولدِها اللَّذَين قضيا، لدى استشهاد الحارث، أيُّها الربُّ يسوع المسيح، إلهُنا، ارحَمنا وخلِّصْنا، آمين.

سيادة ألمطران بلّين كرّس أول مذبح في العالم على أسم القدّيس حارث في المعهد الأنطوني / بعبدا (10 نيسان 2012)
سيادة ألمطران عصام درويش كرّس أول مذبح في رعية مسيحيّة في العالم على أسم القدّيس حارث في أبرشيّته / زحلة (2 كانون الأول 2012 )