حركة قداس الأطفال

زرع أصيل، وثمار مبكرة

من هي الأرض الطيبة التي ينمو فيها زرع الكلمة؟ يقول المثل: “العِلم في الصِّغر كالنقش في الحجر”. وإذا كان الصِّغر والطفولة تلك الأرض، فإن رعية مار الياس – أنطلياس تستثمرها للزرع. إلاّ أن زرعها ليس نقشاً في الحجر بل في قلوب من لحم ودم، سمادها الطيبة وخصبها الطهارة. زرع ينمو ويتفاعل بسرعة. حينها تتساءل من هم الزارعون. إنهم خَدَمةٌ في حقل حركة قداس الأطفال، ينبشون الوزنات المطمورة ويفعّلونها فيضعون بين أيدي الرب كنوزاً بشرية تبشّر بملكوته.

لقد تعاونت رعية مار الياس – أنطلياس على مدى أكثر من 40 سنة على بناء قداس خاص بالاطفال المتراوحة اعمارهم بين 5 و12 سنة. وكانت غاية هذا القداس خلق ليتورجية خاصة بالاطفال من حيث اللغة والمضمون، تستطيع مخاطبة عالم الاطفال وإبلاغهم البشارة وادخالهم بصورة ايجابية في حياة الكنيسة.

البدايات

جوقة الأطفال في السبعينيات

مع عودة الاب يوحنا الحبيب صادر من لوفان (صوم 1970) طرح ما كان قد شاهده واشترك به من اختبارات رعوية في الرعية الجامعية في لوفان (بلجيكا). وتمنى في جملة ما تمنى قيام ليتورجية كلمة خاصة بالاطفال، يكونون فيها الى جانب اهلهم يشتركون في الصلوات والتراتيل قدر ما يستطيعون. وقد بدأ فعلاً بتحقيق هذه الفكرة والإعداد لقداس خاص بالأطفال. تعاون الأبوان يوحنا الحبيب صادر ومارون عطاالله بعد عودة الأخير من لوفان (صيف 1971)، حيث تمّ الرأي في رعية مار الياس – أنطلياس، على تكريس قداس ليكون بكامله خاصاً بالأطفال.

بدأ أول قداس للأطفال في تشرين الثاني 1971 بتشجيع من الأب سمعان غصين رئيس دير مار الياس – أنطلياس يومذاك، وباندفاع عدد من سيدات السهرة الانجيلية في الرعية وصديقاتهن. بدأ هذا القداس في كنيسة مار الياس – أنطلياس القديمة، احتل فيه الاطفال المقاعد الامامية في الكنيسة. بعد قراءةالانجيل، يستمع الاطفال الى كلمة بسيطة، في شرح الانجيل وتطبيقه على حياتهم. ومن بعد كلام التقديس، يتلو بعض الاطفال “النوايا” التي قد حضّرها لهم الكاهن. لاقى هذا القداس، منذ ساعاته الاولى نجاحاً لدى الاهل والاطفال، وكانت الكنيسة تغص بالعدد المتزايد من الاطفال، احداً بعد احد.

في السنة الثانية انتقل هذا القداس الى الكنيسة الجديدة (القاعة الكبرى اليوم). خلال هذه السنة دخلت في القداس تراتيل جديدة توافق عقلية الاطفال. وكان جديد تلك السنة كتابة صلوات خاصة بالاطفال، بدء القداس بمقدمة يتلوها احد الاطفال وقراءة الانجيل باللغة اللبنانية.

السنوات اللاحقة عرفت تعميقاً لتجربة قداس الاطفال حيث أعير هذا القداس المزيد من الاهتمام والتعميق، وتشكلت لجنة لتحضير الكلمة من الاخصائيين ومن اصحاب الخبرة في عالم الاطفال وأخرى فنية اهتمت بوضع تراتيل خصوصية للاطفال بلحن قريب من نفسيتهم وتدريب اعضاء الجوقة والمنشدين المنفردين. وتميز القداس أيضاً بوضع جدول بالأناجيل القابلة لأن تكون بشكل حوار يتوزّع الأطفال أدوارها. كل هذه الأمور جعلت للأطفال دوراً أيجابياً في القداس، وساعدت على نموهم الروحي والانساني.

وبعد

من إحتفالات القربانة الأولى

على أساس هذه الإنطلاقة يعمل المسؤولون عن قداس الأطفال اليوم، مع المرشد الأب دجوني الحاصباني، على تنشيط هذا القداس متبنّيين المسيرة في الخط نفسه، حريصين على إيصال الكلمة والغذاء الروحي للأطفال، وعلى تأكيد دور قداس الأطفال في تنشئة الأطفال الروحية والإجتماعية مستفيدين من اختبارات السنوات الماضية. واليوم تضم الحركة أكثر من ثلاثين مسؤولاً وقد ناهز عدد الأولاد الثابتين 250 طفلاً.

بعدما طلبت الكنيسة أن يتم تحضير الأطفال في الرعايا بدلاً من المدارس للاحتفال بالقربانة الأولى، تبنّى قداس الأطفال القربانة الأولى تحضيراً وتنظيماً واحتفالاً لمن يتقدمون منها خلال السنة نفسها، واسترجاعاً لجميع الاطفال الذين أتموا مناولتهم الأولى في السنوات المنصرمة. وعليه يتوزع الأطفال في الحركة على مجموعات ثلاثة: ما قبل القربانة الأُولى (6-8 سنوات)، أطفال القربانة الأُولى (8-9 سنوات)، أطفال مابعد القربانة الأولى (10-12 سنة).

يتزايد عدد الأطفال سنة بعد سنة. يتوزع أطفال القربانة الأولى على ثلاث أو أربع مجموعات بغية تسهيل العمل معهم، فيتمكن بذلك المسؤولون عنهم من تفعيل التعليم أكثر، والأطفال من استيعاب المواضيع والمشاركة في النقاشات. تنطلق التحضيرات للقربانة الأولى إبتداءً من شهر تشرين الأول وتتضمن: التعليم الديني، شرح كلمة الأحد، أسرار الكنيسة، الفضائل الإلهية، شرح القداس، الصلوات المسيحية الأساس (الأبانا – السلام – قانون الإيمان…). تستمر هذه التحضيرات حتى شهر آذار حيث يبدأ العمل على التنظيم وتمرين الأطفال لإحتفالات المناولة الأولى.

جوقة الأطفال بقيادة الأستاذ جهاد سلوان

أما باقي الأولاد فيلتقون كل بحسب مجموعته لتلقّي التعليم الديني. يستمر الإجتماع حوالي الساعة ويتمحور بشكل أساس حول إنجيل الأحد وتحضير قداس الأطفال والقراءات فيه. ويلتقي الأطفال لمدة ساعة أيضاً مع الأستاذ جهاد سلوان لتحضير التراتيل الملائمة لقداس الأحد. هذا بالإضافة الى مناسبات عدة واحتفالات موسيقية ومسرحيات وزيارات إلى المياتم ودور العجزة لحثهم على أعمال الخير والمحبة.

وكما نما عدد الأطفال، تطوّر عدد المسؤولين من متطوّع أو اثنين ليصبح اليوم عائلات، رجالاً ونساء، شابات وشباناً يساهمون في هذه الخدمة. ودائماً ما تكون مميزة اللقاءات التي تقيمها حركة قداس الأطفال مع كهنة الرعية، بغية توسيع شبكة التعارف بين كلّ الكهنة والمسؤولين في الحركة، إضافة إلى شكرهم والتعبير لهم عن تقدير العمل الذي يقومون به.

خاتمة

قداس الأطفال هذا، هو في الحقيقة بسمة الرعية وسعادتها… فالرعية بكاملها تنتظره لترى أطفالها يصلّون بعاطفة الأمل والمحبة والرجاء. لأجل الطفل نقيم قداساً كل يوم أحد من كل أسبوع في تمام الساعة العاشرة إلا ربعاً حيث يكون لهذا القداس صبغة خاصة للطفل ودور كبير له… وفي كل مرة يزداد عدد الأطفال، يصطحبون معهم والديهم، فيعودون مغمورة قلوبهم الصغيرة بالآمال الكبيرة.

ومع مرور أكثر من أربعين سنة على قداس الأطفال في الرعية من دون انقطاع، على رغم الاحداث المخيفة والدامية، ترتسم وجوه الاطفال الذين شاركوا في هذا القداس منذ ايامه الاولى والى اليوم، وتتعاقب في موكب كبير، وقد أصبحوا اليوم أمهات ومربيات وشباباً، موزعين على شتى مرافئ الحياة، وعلى ادوار مسؤولية في الرعية وفي المجتمع.