عيد الليمون

من عيد الليمون.. إلى لعنة الباطون

بقلم د. ربيعة أبي فاضل

البلدة انطلياس، أخت الشمس، وجارة البحر، وصديقة التاريخ، وأرض العاميّتين، ومحتضنة تراث الإنسان، والأزمنة البليغة، والملاجىء الصخرية، والكهوف الدهرية، والأنهار المغتبطة بغنائها، والهياكل البشرية المتحجّرة الناطقة… البلدة انطلياس، بلدة “مجلّة الرياض”، أُولى المجلاّت في ساحل المتن، لرئيس لجنة النادي الأدبيّة فريد أبو فاضل، وبلدة المتحف الخالد لقبلان مكرزل، الشاعر الإنسان، وبلدة الدير الأنطوني الذي غطّى مكانها وزمانها والوجوه بالدفء، والتقوى، والمعرفة. إنها البلدة التي تكتنز الخيرات (…) ومنها خيرات الليمون.

عيد اللّيمون، وُلد في الأحد الأوّل من نيسان عام 1945، وحضره ثلاثون ألفاً، وأُقيم فيه معرضان للزراعة والصناعة، وجرى عرض للسيارات المزيّنة، وخُصصت جوائز وُزّعت على المواهب المتجلّية. وكان سنة 1946، في الأحد الثاني من نيسان، برئاسة الشيخ بشاره الخوري، وحضره خمسون ألفاً، انسحبت خلاله السيارات من العاصمة بيروت حتى جونيه. وقد مشى أمام السيارات التي توشّحت بأشكال السفن، والطائرات، والأشجار المختلفة، فرسان يمثّلون ثلاثة من أبطال لبنان: فخر الدين، وبشير الكبير، ويوسف بك كرم. وكانت حماسة كادت تصفّق مع المصفّقين. وما زلنا نذكر يوسف لويس أبو جوده كيف ركب على الحصان صامتاً، في ثياب يوسف بك كرم، البطل الذي تآمرت عليه السلطنة العثمانيّة، ومعها الدول الأوروبية الساعية، دائماً، إلى مصالحها الخاصة، على حساب كرامة الشعوب ومستقبلها، فمات في ايطاليا بعد غربة.

طائرات في أجواء الليمون

وأُقيم العيد عينه، تغنّياً باللّيمون، وبأرض انطلياس وخصبها، عام 1947 و1948 و1949 و1950. وما زال نيسان يدمع كلّ عام على اللّيمون وعيده، وعلى معارض الصناعة، والفنون الجميلة، والكتاب، والحيوانات الداجنة، وعلى الأغاني العفيفة، والألحان العذبة للرحبانيّين، ولمطربين ومطربات. وقد زارت فضاء انطلياس طائرات لبنانية، حلّقت، ونقلت الإذاعة الخطب والأناشيد، واستمرّت السيارات تشعل الطرقات بالإيقاعات والألوان، طامحة إلى تحقيق ما حقّقت سيارات أخرى في بلاد الجبل، في بكفيا، يوم حملت الزهر، ووزّعت العطر، وقالت الأسطورة الأجمل.

وفي انطلياس لم يشأ الزهر أن يبقى بمنأًى عن العيد، فكان له معرض عام 1950، إلى جانب ثمار الأرض، ونِعَم السماء، وإلى جانب لوحات ومنحوتات لفنّانين يتحدّون الطبيعة، في منافسة سلميّة، وجماليّة للخلق، والسكن في الخالد. ولم تكن لقايا قبلان مكرزل غائبة، فنهضت تُحيي التاريخ: رؤوس حراب، ورؤوس سهام صوانيّة، وشفار، وصنانير، وأزاميل، وأدوات على شكل الشفار، وكواشط صوانيّة، وبقايا خنزير برّي، وضرس كركدنّ، ومتحجّرات أكثرها كان يعيش منذ ألوف السنين تحت مياه البحر.

كان عيد اللّيمون محطّة وطنيّة، يتألّق فيها نشيد لبنان الذي بقلم رشيد نخله، ونشيد نادي انطلياس، وهو بقلم فريد أبو فاضل. وتأتي أغانٍ منوّعة للرحابنة، ثمّ كلمة عن فوائد اللّيمون للدكتور فريد ابو جوده. وكان شاعر الضيعة اميل مبارك حاضراً بأناشيده العاميّة المباركة، منها: “ضيعتنا”، “مشتاق إرجع للضيعه”، “كنت صغير”، “الحاكورة”، “يا قمر”، “اشتقت لزقزقة العصفور”، “يا ضيعة ما بنساكي”، “مين نقفك يا زيتوني”. وكانت منشدات ومغنيّات: هيام يونس، سلام فخري، ايفات فغالي، نهاد مشعلاني، ونفنافه وناديا كرم وغيرهنّ. ولم ينسَ المحتفلون الطقاطيق المتنوّعة التي كان يؤدّيها بعض أبناء البلدة.

بردقان يا أنطلياس

كان منصور الرحباني، وهو بوليس، في بيروت، يسمع الباعة ينادون: “بردقان انطلياس يا ليمون”، ويكون الليمون آتياً من صيدا. هكذا سمع سليم مكرزل في الأشرفية: “بردقان يا انطلياس” فحدّق إلى الليمون بشغف. تحوّل ليمون الساحل المتنيّ، منذ زرعه فرح طعمه، واسكندر الجاويش، وسلامه بو كرم ومن سبقه من عائلته إلى الساحل، إلى ليمون “فحل”. وما أكثر ما كان قبلان مكرزل يردّد: “يا ليالي الطرب في خيام العرب”، متذكّراً مهرجان الليمون في بلدته، في تلك الخيمة على السطوح، حيث مقهى “الدولاب”، ومقهى “الفرنساوي”، وظلّ “أبو عفيف”، و”بين الرياض الزّواهر”، كما قال: “ما لزهر الليمون يفترُّ في الليل تُرى هل وعى حنين الزائر؟”.

عندما سألت منصور الرحباني عن “عيد الليمون”، وقد رافقني ابن انطلياس، سليم مكرزل، إلى بيته، قال لنا: “كنّا نذيع في أسبوع العيد النيساني أغاني وموسيقى، من على السطح، حيث دكّانة “أبو عفيف”. ألوفٌ من الناس، والكشّافة، والمطربين، والسياسيّين، ومعارض، وكلمات، تتغنّى جميعها بالليمون، وزهره، وعزّه…

 أمّا اليوم، فالأسف على الليمون، وعبير الليمون الذي أصبح محالاً… والأسف على السهل الحلو، على بيوت القرميد، على “انطلياس يا ليمون”. انظر كيف يشقّون صدور الجبال، بعد أن اقتلعوا الأشجار، ونشروا لعنة الباطون في كلّ مكان. ومع أنّي لا أملك أرضاً، ولا أرغب في أن أتملّك شيئاً، فإنّ غياب الأخضر أزعجني. ليس لدينا وعي لندرك أن التشويه والبشاعة ضدّ الحقّ، وضدّ الخير، وضدّ الله. تأمّل هذا الباطون العشوائي، وتلك الكسّارات، وهذه العائلات التي تنشأ بعيداً من التراب، في فضاء الباطون والشقق، ألا تحرم أولادنا اللعب مع أرض الطيّون، والزيتون، والليمون؟!

ألا ترى أنّهم حوّلوا لبنان إلى صخرة باطونيّة في هذا الشرق؟ كارثة، ألا ترى أنّ كلّ شيء تلوّث في هذه الحياة الزفت؟ أفتقد، اليوم، هدير الماء، وهدير البحر، ورنين جرس الكنيسة، وهبّات زهر الليمون يحملها نسيم الوادي. كنت أتصوّر دائماً أنّ البحر يبدأ من انطلياس، فبلّطوه، وعرّوا السهل، ومحوا ألوان اللوحة: الأخضر والأزرق والأحمر والأبيض… صرنا في وحشة وغربة هنا، لا العادات ولا التقاليد تستمرّ، ولا الفولكلور… ولا حياة لمن تنادي”.

آخر ليمونة بألف دولار

إنّها وادي الخالدين، دخلت ليلها الحزين، وخلعت وجه فطرتها، لتلبس القناع البارد، في حضارة الأقزام والأوثان. وآخر ليمونة زُرعت، في ساحة انطلياس، حُمِلت، البارحة، من ايطاليا، ثمنها ألف دولار، لكونها تتكرّم بأنواعٍ ثلاثة من الليمون، وقد بقيت وحدها، رمزاً غريباً، في دنيا الباطون، يذكّر الوجوه الغريبة المارّة، بأنّ عيد الليمون وُلِد في هذه البقعة قرب كلمات “العامّية”، وعلى ضفّة النهر الذي مدّ كرمه حتى الزلقا وبيروت، وفي ظلّ مار الياس الحيّ صديق انطلياس ولبنان.

وفي هذه البقعة، رقص شباب المتين، وعينطوره، ونابيه، والجوار، رقصات السيف والترس، ورقصت معهم نسور نهر الكلب، وطيور الوادي، كما رقص الشيخ يوسف مراد، وهو في فرنه، حيث كانت أمّ عاصي تحمل عجينها، لتعود به خبزاً طازجاً، بعد أن تدفع أربعين غرشاً، وحيث يأتي الجائعون ليشتروا سبعة عشر رغيفاً بليرة واحدة.

عيد الليمون… مصيدة العشّاق

في تلك الساحة، تعرّف فضّول الرموز الشاب، خلال الاحتفال بعيد الليمون، بسيدة سلامه، الفتاة التي من عمر زهر الليمون، وتزوّجا. فكان عيد الليمون بالنسبة إليهما، كما كانت “العين” بالنسبة إلى حاملي الجرار، وحرارة العشق.

في تلك الساحة تألّقت سلوى الرحباني تمثيلاً، وغناءً، وحضوراً. وبرزت جورجيت أبو جوده وجهاً وحيداً… كما تألّق أبو عصام على فطرته، وكانت كلمات فريد أبو فاضل تُعلن، منذ ذاك، بواكير الثقافة وحركتها، في الدنيا الأنطلياسيّة.

وكان الجمال في الشعر، والغناء، والمسرح، والخطابة، والحماسة، وغيرها من التراتيل التي صعّدتها فيروز، من بلد انطلياس إلى بلد الله، وقد مثَّلت كلّها قِيَماً لا يمكن أن تُنسى.

إنّه عيد اللّيمون، الذي يحفر في الذاكرة حلاوة ومهابة، تنسياننا مشهد اللعنة الحديثة التي طلع علينا بها الباطون. من هناك من منزل منصور الرحباني، وعبدالله الأخطل، تتلفّت إلى وادي الخالدين، فلا ترى غير هوّة كالجحيم، قيل إنّهم سيجعلونها، في الآتي القريب، واحة نعيم، والله العليم!