تاريخ الرعية

رعية مار الياس – أنطلياس: منذ 1723 أمانة في يد الانطونيين

شيّد المسيحيون في أنطلياس مزاراً على اسم النبي ايليا في القرن الخامس على انقاض هيكل وثني. وكانت أنطلياس مأهولة بالسكان منذ عهد الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والعرب الصليبيين والمماليك والعثمانيين وصولاً الى اليوم. وكانت كنيسة مار الياس الصغيرة مزاراً ومكان عبادة وصلاة وتأمل وخشوع وممارسة الاسرار. لقد احب الشرقيون عموماً واللبنانيون خصوصاً النبي إيليا. فتأملوا بسيرته وشغفوا بها، وشيّدوا على اسمه المعابد والكنائس، وطلبوا شفاعته. فكان الله يستجيب أدعيتهم عن يده.

مزار شهير

كانت كنيسة مار الياس – أنطلياس مزاراً قديماً هاماً. وربما كان اهم المزارات في لبنان بعد مزار صرفت صيدا أي الصرفند اليوم حيث قضى النبي ايليا مرحلة من حياته. الى هذه الكنيسة كان المسيحيون يتوافدون لزيارتها من المناطق كافة والصلاة فيها. لم تكن مزاراً مسيحياً فقط انما كانت ايضاً مزاراً للمسلمين والدروز، يصلّون فيها ويطلبون من الله النِّعَم والشفاءات بشفاعة مار الياس. وكان الله يستجيب طلبات الجميع.

باستلام الرهبنة الانطونية

لقد قام بخدمة هذه الكنيسة قبل ان تستلمها الرهبنة الانطونية سنة 1723 كهنة ورهباناً لم تصلنا اسماؤهم. وجلّ ما نعرفه أنه بعد تأسيس دير سيدة طاميش سنة 1685 بوساطة المطران جبرائيل البلوزاوي رئيس اساقفة حلب من سنة 1663 الى سنة 1704 والبطريرك الماروني من سنة 1704 الى سنة 1705، كان يرسل راهباً من دير طاميش ليخدم مار الياس.  دير طاميش كرسي مطران حلب، كانت بداية الرهبنة الانطونية. ففي التسعينات من القرن التاسع عشر بدأ البلوزاوي مع بعض رهبانه يشترون الاملاك لدير مار أشعيا في برمانا، ويرسل الرهبان لبناء الدير وتأسيس الرهبنة الانطونية سنة 1700.

وظلّ دير سيدة طاميش والرهبنة الانطونية في شبه وحدة كاملة منذ عهد البطريرك البلوزاوي وصولاً الى خليفته على ابرشية حلب المطران مخايل البلوزاوي ابن شقيقه ورئيس دير طاميش من سنة 1704 الى 1725. خلف المطران مخايل البلوزاوي الراهب الحلبي المطران جرمانوس فرحات سنة 1725. وفي سنة 1727 سلّم دير طاميش الى الرهبنة الحلبية اللبنانية. وحدث من جرّاء ذلك حوادث وخلافات بين رهبان طاميش وراهباته من جهة وبين الرهبان الحلبيين من جهة ثانية. وفي هذه السنة انقطعت كل علاقة بين رهبان دير طاميش والرهبنة الانطونية ودير مار الياس. بعد تأسيس الرهبنة الانطونية في دير مار اشعيا سنة 1700 بدأت هذه الرهبنة تنمو وتزدهر وتنتشر. فبعد دير مار أشعيا تأسس دير مار الياس – غزير سنة 1712، ثم دير مار عبدا المشمر سنة 1716، ثم دير سيدة عين شقيق سنة 1721 ودير سيدة بكركي سنة 1720 ثم دير مار الياس – أنطلياس سنة 1723، وهو الدير السادس من اديار الرهبنة الانطونية.

كانت الرهبانية الانطونية في انطلاقتها الجديدة علامة محبة وأخوّة وقداسة ونسك وغيرة رسولية وشهادة انجيلية وانفتاح حقيقي في قلب الكنيسة المارونية. وتميّزت هذه الرهبنة ايضاً بطاعتها للبطريرك، ومحبّتها لجميع الناس، ونشأتها في منطقة درزية، فطبعت بالحكمة والاعتدال والانفتاح واحترام الآخرين ومحبتهم والتعاون معهم. وكان البطريرك يعقوب عواد (1705-1733) بعلاقة متوترة مع الرهبان الحلبيين اللبنانيين الذين كانوا من مسبّبي حطّه عن الكرسي البطريركي لفترة قصيرة من الزمن. بينما كان الرهبان الانطونيون مع البطريرك والأساقفة في علاقة احترام ومودّة، فتقرّب منهم البطريرك يعقوب وشجّعهم، وقدّم لهم دير مار الياس لأن هذا الدير في الاساس كان على علاقة بديرهم في طاميش قبل أن تتسلّمه الرهبنة الحلبية.

سنة 1723سلّم البطريرك يعقوب عواد كنيسة مار الياس وجميع املاك الدير واوقافه الى الرهبنة الانطونية وأعفى الرهبان من المجعول الذي كان يُدفع للبطريرك. وأعلن البطريرك يعقوب عواد للجميع قائلاً: “نعلم كل حاضر وسامع… بأننا سلّمنا ديرنا مار الياس – أنطلياس للرهبنة الانطونية”. لقاء هذا التسليم طلب البطريرك تقديم مائتي قداس على نيته، مع توصية الرهبان “بالاتفاق والمحبة في ما بينكم”. ومنذ ذلك التاريخ الرهبنة الأنطونية تقوم بخدمة النفوس، وتعنى بالدير وتشيّد الكنيسة القديمة والكنيسة الكبرى متتمة كل ذلك بأمانة وإخلاص ومحبة واستمرارية.

المجمع اللبناني

في سنة 1736 عقد المجمع اللبناني الشهير في دير سيدة اللويزة على عهد البطريرك يوسف ضرغام الخازن من غوسطا (1733-1742) وقصادة المونسنيور يوسف شمعون السمعاني الحصروني. هذا المجمع كان تطبيقاً للمجمع التريدنتيني (1545-1563) الذي اطلق الاصلاح الجديد في الكنيسة الكاثوليكية، وكان ايضاً ردة فعل ضدّ الاصلاح البروتستنتي. كان المجمع اللبناني حدثاً تاريخياً بارزاً في حياة الكنيسة المارونية. من بين الاصلاحات التي احدثها: تقسيم الابرشيات وادارتها وتحديدها جغرافياً وتنظيم الرعايا…

فكانت أنطلياس في نطاق ابرشية قبرص التي كانت تضم موارنة الجزيرة بالاضافة الى قسم من رعايا جبل لبنان. علماً ان مطرانية دمشق كانت تضم الساحل السوري حتى اللاذقية الى الزاوية والكورة والقبيات وعكار… فالتداخل بين المناطق والاقاليم والدول كان قوياً. اذاً منذ المجمع اللبناني صارت رعية أنطلياس من ابرشية قبرص. ولم تعد تابعة لا لمطران حلب المقيم في طاميش، ولا للبطريرك مباشرة الذي سلمها للرهبانية الانطونية.

رعية الساحل

كانت كنيسة مار الياس – أنطلياس الكنيسة الوحيدة على الساحل من نهر بيروت الى نهر الكلب. فإلى كونها كانت مزاراً لجميع اللبنانيين كانت في الوقت نفسه رعية المؤمنين وكنيستهم الوحيدة في هذه المنطقة. وابتداءً من القرن التاسع عشر بدأ المسيحيون يشيّدون الكنائس الرعائية في هذه المنطقة الساحلية.

من أبرشية قبرص إلى أبرشية أنطلياس

في 8 آب 1988 أُعلن رسمياً فصل أبرشية أنطلياس عن ابرشية قبرص بناءً على قرار من المجمع البطريركي الماروني. بحيث اصبحت الجزيرة ابرشية مستقلة لها مطرانها الخاص، والمنطقة اللبنانية دُعيت بإسم أبرشية أنطلياس المارونية.

كنيسة وطنية

كانت كنيسة مار الياس – أنطلياس ملتقى جميع المسيحيين والمسلمين اللبنانيين للصلاة والتعبّد وطلب الشفاعة. على مار الياس يقسم المسيحيون عند وقوع خلاف فيما بينهم. يكفي ان يقسم احد المتخاصمين بمار الياس – أنطلياس حتى ينحلّ الخلاف او الإشكال، وتزول التّهم، وتصدر البراءة. وكان اللبنانيون يقسمون على مذبح مار الياس في الظروف الصعبة. فعامية 1820 و 1840 خير دليل على إجماع اللبنانيين من الطوائف والمناطق كافة، فيتحوّل اللقاء الى ميثاق وطني مقدّس يجمع الارادات والقلوب ويوحدها ويرسخ المحبة والتضامن بينها.

رعية التجدد بعد الفاتيكاني الثاني

كانت رعية مار الياس أولى الرعايا في لبنان والشرق التي قرأت نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني وسعت إلى تطبيقها بعمق من اجل التجدد على كل الصعد الرعوية. تميزت الرعية منذ القديم بحسن الخدمة. وامتازت في إطلاق أول نهضة رعوية متكاملة بالاشتراك مع العلمانيين والتعاون مع الكهنة الروّاد والاساقفة والمفكرين. لقد انطلقت حركة التجدد من وعي كتابي لاهوتي، وممارسة يومية صادقة، ومفهوم عميق للكنيسة شعب الله والشركة وجسد المسيح السري، وانتمائها إلى الابرشية والى الاسقف والى الجسم الكهنوتي في الابرشية وبالتالي في الكنيسة. فالكهنة المتعاونين مع الراعي بمحبة وثقة واحترام، العاملين من أجل حضور المسيح في رعيتهم من خلال التقديس والتعليم والتدبير، المرتبطين بإخوتهم الكهنة وبكنيستهم جعلوا من العمل الرعوي عملاً كنسياً جامعاً. تألّقت رعية مار الياس – أنطلياس بالجماعة الكهنوتية الانطونية التي عملت بتضامن ووحدة ووعي وتضحية وسهر، وجعلت من العلمانيين المؤمنين بالمسيح جماعة كنسية حية مشاركة ومنفتحة.

لقد وعى العلمانيون دورهم ورسالتهم واشتركوا في حياة الرعية وفي العمل الرسولي فكانت النهضة الليتورجية من خلال قداس الاطفال والناشئين والشباب والمسنين والمعوقين، والتراتيل الجديدة والموسيقى الرائعة. وكانت خدمة الكلمة بأبهى عمقها وأمانتها وتأويلها وتأوينها. وأصبحت الثقافة من جواهر العمل الرعوي، وخدمة الفقراء، والتعاون الكنسي، وتعزيز العمل المسكوني من أجل وحدة المسيحيين، إلى الحوار المسيحي الاسلامي، إلى الاهتمام بالقضايا الاجتماعية لا سيما المشروع السكني للرهبانية الانطونية الذي أمّن 320 منزلاً للعائلات الجديدة، وزيارة المرضى، وتحديث الادارة، وتشييد أكبر كنيسة في المنطقة، وتأمين أماكن واسعة للخدمات الرعوية، إلى الصلوات الدائمة، وإلى جعل الكنيسة المزار مفتوحة للصلاة من السادسة صباحاً إلى العاشرة ليلاً.

كل هذا جرى بحكمة وورع وعلم وروح كنسي اصيل ومنفتح، وإصغاء إلى نداءات الروح، ومواكبة التجدد في الكنيسة. لم تتوقف رعية انطلياس عند المجمع الفاتيكاني الثاني بل شاركت في حركة التجديد الكنسي، وكانت الرسائل البابوية، والحق القانوني الشرقي، والشرع الماوني الخاص، ورسائل البطريرك، وإرشادات الأسقف، والإرشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان”، إلى اللاهوت الكتابي والرعوي والاكليزيولوجيا والبيبليات والمسكونيات والليتورجيا والحوار والفكر؛ كل هذه الامور طبّقتها، وسعت أن تستنير بها في مسيرتها الرعوية.

رعية مسكونية

إن رعية أنطلياس وهي من أقدم رعايا الأبرشية، رائدة في الإنتماء والحياة والعمل الرعوي الاصيل والمتجدد. انها رعية مسكونية، ورعية الإيمان والصلاة والمحبة والرجاء والاصغاء الدائم إلى كلمة الله من خلال الانجيل. تقتات من القربان المقدس، ويحييها الروح لتكون امينة لكنيسة يسوع المسيح وخادمة لشعب الله، وتسعى على خطى معلمها لتساهم في خلاص جميع الناس. ان الانتقال من عصر إلى عصر، ومن ألفية إلى ألفية يتطلب تغييراً وتجدداً دائمين. وحدها التوبة تغيّر الذهنيات والقلوب، والامانة ليسوع المسيح وكنيسته تحيي. ولا ابداع الا من خلال الروح القدس.

 أنطلياس المحروسة من الله والمحبة للمسيح ولشفيعها مار الياس، مدعوة لأن تكون رعية المحبة والقداسة والانفتاح والخدمة والحرية والابداع في المستقبل كما كانت في التاريخ.