في الحركة بركة

 في السنة 1970 كانت كنيسة مار الياس – أنطلياس تفتش لها عن مخرج للجواب على سؤال طرحته شبيبة البلدة: “ونحن، أما لنا دورٌ في كنيستكم؟”. في الواقع كان الشباب يدورون حول الكنيسة، يرغبون في الدخول ولا يقوون، يشعرون أن في نفوسهم شوقاً إلى شيء لا يدركونه، وأن كبارهم، آباءهم وأمهاتهم، يصلّون ويشتركون في القداس ويداومون على هذه الممارسة بشغف وفرح.

فتساءلوا: “ماذا ينقصنا لنصلّي مثلهم؟” بَيد أنهم تراجعوا ولم يقدروا على سلوك طريق الكبار. هنالك بعد، المسافة شاسعة بين الجيلين… يجب اختصار الطرق.

وقالوا لكهنتهم: إن لنا نحن ايضاً دوراً، لنا طريق آخر ومسافة أخرى، دلونا عليهما ولا تحرمونا عيشنا المسيحي، لا تجبرونا على التفكير بعقلية عمر الستين والثمانين. فصلاتنا غير صلاتهم ونغمنا غير نغمهم ومطالبنا لله تفوق مطالبهم.

وكانت يومها لقاءات ومناقشات وحوار في أكثر من مجال، نتج منها تضامن للشباب أفرز جوقة ترتيل لخدمة القداس والكلمة والليتورجية، ضمت عناصر من مختلف الطوائف الكاثوليكية وغير الكاثوليكية. وكما يعلم الجميع، تراكض الشباب من كل مكان ليحضروا قداسهم ويشتركوا فيه وينضم قسم منهم ايضاً إلى الجوقة. مما أثار الدهشة لدى بعض الأوساط الاكليركية والعلمانية، أدّى إلى إعجاب البعض وتحبيذهم والى استنكار غيرهم لهذا التحول والتشكك فيه.

ذلك لم يؤثر على المسيرة فانطلقت الحركة تتجذر في عمق الإيمان والممارسة، حتى إذا ما أطلت سنة 1976 وجد الشباب أنفسهم بحاجة إلى رابطة اسمية تبقيهم حول قداسهم، فاختاروا اسمهم الحالي “حركة قداس الشباب”. وعبثاً صارت محاولات لتحوير الاسم بتطعيمه بأسماء اجتماعية أو خيرية أو فنية أو رياضية… فكان الشباب دائماً يرفضون، مصرّين على “حركة قداس الشباب” مبررين ذلك بأنهم ما كانوا اجتمعوا وتضامنوا لولا القداس.

 

1977-1970
الأب يوحنا الحبيب صادر.. يتذكر

بدأت حركة قداس الشباب بطريقة وضيعة جداً ومن دون تخطيط. كنا كمثل عميان نتلمّس الطريق؛ وكانت عندنا رغبة شديدة في التحرّر من روتينية الاحتفالات الطقسية في كنيسة مار الياس القديمة. وكنا نتلمس السبل التي يمكنها أن تدفع شباب الرعية وفتيانها وفتياتها إلى التطوع في العمل الرعوي والمشاركة في الطقوس الدينية.

ابتدأ التحرك في أواخر عام 1970، وكنت قد وصلت إلى انطلياس عائداً من بلجيكا ليلة احد الشعانين. وابتدأت سبّة الآلام وكان لا بد من الانتقال إلى قاعة الكنيسة الجديدة السفلى لقيام حفلة خميس الغسل. كانت الارض مفروشة بالرمل. فوضعنا منصّة في وسط القاعة واحتفلنا برتبة “الغسل”. أذكر ان جمهور المؤمنين كان كبيراً ولم يكن لدينا مكبرات صوت لتنظيم هذا العدد من الناس. فأنشدتُ مزمور “قلبي مستعد” بصوت قوي جعل كل الحاضرين يتفاجؤون ويسكتون. ولما ساد الصمت كلّمتهم بصوت منخفض وأعلنت عليهم برنامج الحفلة والاناشيد.

كانت هذه المناسبة انطلاقة الشعلة، فقررنا في الرعية تأسيس جوقة كبيرة، وبدأنا نتجمع مرة في الاسبوع أعلمهم فيها بطريقة فوضوية نوعاً ما، بعض مزامير الأب بولس الاشقر، العالية النغم، مثل: “أللهم اجعل احكامك للملك”، و”إليك يا رب ارفع نفسي”، وذلك لكي ادخل الحماس في قلوب شبان الجوقة وفتياتها. وكان يجري التمرين في صالون الطابق الثاني من الدير. غير ان السنة الطقسية انتهت ولم نتوصّل إلى نتيجة لأن اغلب اعضاء الجوقة كانوا من الفضوليين، ولم نكن بعد توصّلنا إلى ايجاد وسائل حديثة غير التي كنا قد درجنا عليها في الرعية.

مضى صيف عام 1970 ودخلنا في السنة الطقسية لعام 1970-1971. كان الأب مارون عطاالله قد سافر إلى بلجيكا لقضاء سنة اطّلاع في جامعة لوفان، والاب جورج ابو فاضل عُيّن مع الرهبان الدارسين في روما العظمى. وتشكلت هيئة جديدة في دير مار الياس، مع الرئيس المرحوم الأب سمعان غصين مؤلفة من الأب جبرائيل الشدياق وكيلاً، ومني راهباً في الجماعة. واقترح الأب الرئيس تأليف جوقة صغيرة من العناصر المداومة على الترتيل ودعونا الأستاذ انطوان غبريل للاشراف على هذه الجوقة وتأليف ألحان جديدة للقطع الطقسية العادية. كان الاستاذ انطوان قد تخرج في الموسيقى في الكونسرفاتوار الوطني ثم تابع دروساً في ايطاليا. وكنا معاً عام 1963 تلامذة الاستاذ توفيق سكر في الكونسرفاتوار الوطني. وأذكر من رفاقنا انطوان فرح وليلى يمين ووليد عقل وزاريه أوزونيان.

في مطلع سنة 1971، بقيت الجوقة محدودة العدد، واستمرينا غارقين في الروتينية المألوفة. وفي أحد الايام، التقيت بالمرحوم سمير متى. وكان شاباً حماسياً ومتفائلاً. فقال لي: “يا ابونا حنا، عندك في الرعية شباب موسيقيين، يعزفون على الغيتارات وعلى الباتري، ويقيمون الحفلات الناجحة في اكبر الاندية. ولكن القداس لا يستهويهم كثيراً. فلماذا لا تزورهم وتتحدث معهم عن مشروع لقداس جديد يستهويهم ويستهوي رفاقهم؟”. وكان سمير متّى يعني اولاد عمه انطوان وعصام وهنري صالح. فذهبت في النهار عينه وزرتهم في منزلهم في “حيّ القبيزه” فوجدتهم حاملين الآلات الموسيقية ويعزفون أحدث الأغنيات الاميركية. فأعجبت بهم جداً. ثم بعد أن توفّرت لنا الاجواء سألتهم: “لماذا لا تشاركون في القداس وفي الجوقة؟”. فأجابني أحدهم: “إن خدمة القداس التي تجري في كنيسة انطلياس مملّة، ونحن الشباب لا تستهوينا لا الالحان ولا الكلمات. فإذا شئت ان نشترك في القداس، اسمح لنا ان نعزف الالحان على الغيتارات”. فعدت إلى الدير وتشاورت مع الرئيس وطلبت اليه ان يكرس لنا الاحد القادم قداس الحادية عشرة والاخير، لجوقة الشباب وللعزف على الغيتارات. وصار ما صار. فأتى الشباب بغيتاراتهم وعزفوا في القداس القطع المعروفة مثل “صلاتك معنا” و”النؤمن” و”عساكر السماء” و”قلبي مستعد يا الله”. ولكن الفوضى في هذا القداس كانت عارمة، فلا العزف انسجم مع القطع، ولا ابناء الرعية كانوا ممنونين، فخرجوا من الكنيسة بشبه مظاهرة استنكار لهذا الحدث السيِّئ.

لكن اذا كانت المرة الاولى لم تنجح فإنها وطّدت علاقة الصداقة بيننا وجعلتنا نبحث مع بعضنا عن امكانية ايجاد الحان موقّعة تنسجم مع هذا النوع من الآلات. وطلبنا من أنطوان غبريل أن يضع هذه الألحان. فبعد أسبوع فاجأنا انطوان غبريل بألحان موقّعة لقطع “سبحوا الرب”، و”صلاتك معنا” و”عساكر السماء”. وابتدأنا بالتمارين “فكيّف” الشباب. وأعلن الأب الرئيس في الكنيسة أن للشباب الحق في قداس خاص بهم، يرتلون فيه ما يكونون قد حضّروه. فأبناء الرعية ليسوا ملزومين بحضور هذا القداس ما دام في الكنيسة نهار الاحد أربعة قداديس أخرى. وما كدنا نبدأ بهذه الظاهرة حتى تجمّع حوالينا جميع فتيان وفتيات الرعية وأخذوا يشاركوننا في ترتيل الالحان. ثم نشرناها بين تلاميذ مدارس انطلياس. ولكن ظهر بين الكثيرين من ابناء الرعية تحدٍّ لهذا النوع من الترتيل.

مضت السنة الطقسية على هذه الحال، وكان القداس الحديث ينشد في ازمنة طقسية موسمية. وكنا لا نترك اسبوعاً الا ونجتمع فيه عدة مرات كي نواجه تحدي الناس مفتشين عن الاتقان وعن الإحياء الفني. فقال لي يوماً انطوان صالح وقد اصبح اليوم عقيداً في الجيش اللبناني: “في الرعية شاب مدرّب على الموسيقى الحديثة. ويمكنه ادارة هذه الحركة الجديدة. وهو شريك لنا في حفلاتنا المدنية”. وكان يعني فؤاد تكلي. كان فؤاد تكلي شاباً أسمر اللون متواضعاً، لا يتدخل بسرعة في شؤون الآخرين وخصوصاً في جوقة الرعية. ولكنه كان قائد اوركسترا متمرساً منذ زمن بعيد في هذا الكار، وكان يعزف بالغيتار والباتري، وينشد الاغاني الاميركية الحديثة، خصوصاً تلك التي ظهرت في الستينات عن “يسوع”. فدعونا فؤاد رسمياً للمشاركة في حلقاتنا وبدت لي هذه المجموعة من الشباب الفنانين طريفة جداً. وكل يوم كنت اكتشف مواهبهم، وبنوع خاص موهبة المرحوم عصام الذي كان من اكابر عازفي الغيتار “الصوليصت”، ومن اطيب عناصر المجموعة. فما مضت عدة اشهر حتى تحلّق حول هذه المجموعة اصدقاء من انطلياس ومن جوارها. وكانوا جميعاً عازفين ومغنّين. وأهم من ذلك كانوا متحمسين جداً للظاهرة الطقسية الجديدة. فقد شعروا أنهم من صلب الرعية، وان لهم دوراً يقومون به في هذه المنطقة.

في اوائل صيف1971 عاد الأب مارون عطاالله من بلجيكا وعيّن رئيساً على دير مار الياس – انطلياس، وانتقل الأب سمعان غصين إلى رئاسة دير مار يوسف – بحرصاف كلياً. وتعيّن في جمهور انطلياس الأب اميل ابي حبيب والاب لوقا فيسرس البلجيكي، الذي كان يحتفل مساء كل سبت بقداس لاتيني باللغة الفرنسية. فأصبحنا اربعة كهنة في دير مار الياس وفي الرعية. في هذه السنوات كان نادي الشراع الذي اسسه دير مار الياس – انطلياس سنة 1964 يقوم بنشاطات ثقافية مهمة من دون ان يكون له أي تدخل بالرعية ونشاطاتها الطقسية. فأطلعنا الأب مارون على حدث القداس الجديد في الرعية وطلب اليه العازفون ان يهتم بخلق جوقة مهمة مؤلفة من عناصر شباب بالغين يتمكنون من تبني هذه المرحلة الحاسمة ويتجنّدون فيها. فاجتمعنا بعناصر نادي الشراع وكانت تنتمي نوعاً ما إلى الطوائف الموجودة في انطلياس. وقلنا لهم: لماذا نجتمع حول الثقافة والسياسة والفكر، ونشترك في الحفلات والمهرجانات الوطنية والعائلية، ولم نفكر مرة ان نشترك في الصلاة؟ ألم يحن الوقت كي نحقق جماعة مسكونية ونصلّي وننشد بطريقة تتجاوب مع ثقافتنا وطموحاتنا؟ لماذا نستمر بعيدين عن هؤلاء الشباب الفنانين الضائعين في الرعية، ولا نقوم معهم بهذا المشروع الليتورجي؟ فطابت لهم الفكرة ووجدوا أن المشروع هو امتداد لحركتهم الثقافية وانه مشروع حضاري، فتطوعوا في الجوقة الجديدة مقتنعين بفكرة التجمع المسكوني.

فؤاد تكله يدير الجوقة

وكان لا بد من مواجهة السنة الطقسية 1971-1972 ببرنامج جديد من الترتيل وأسلوب جديد في قراءة الكتب المقدسة ولغة جديدة لكلمة الأحد. وبدأ تحضير المشروع للسنة القادمة خلال صيف 1971. فقررتُ أن أؤلف على غرار التراتيل الحديثة في كنيسة الغرب قصائد مستلّة من الإنجيل مباشرة تدل بالضبط على معنى العيد، مع لازمة يرددها الشعب بعد كل آية مرتلة من الكتاب. وطلبنا من انطوان غبريل ان يبدأ بالتلحين على الأسلوب الإيقاعي المطلوب. فظهرت عدة اناشيد مثل: “نحن الذين اعتمدنا فيك ايها المسيح”، “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات”، “دعوا الاطفال”، ليكن جسدك السري يا ابن الله”، “ارسل روحك ايها المسيح”، إني ابشركم”، “كلمتك”، “تعال تعال”، “من تراه”، “حبّوا بعضكن” و”يا ابتاه”. وفي مطلع السنة الطقسية لعام 1972، تحديداً في 21 تشرين الثاني 1971، افتتحنا قداس الشباب في قاعة مار الياس الكبيرة. لم يكن هدفنا في الاصل دعوة المؤمنين إلى هذا القداس، فقد كان فقط لهذه المجموعة من الشباب والفتيات المشتركين عملياً في التمارين والانشاد وفي العزف. وفي القداس الاول أغلقنا ابواب القاعة لكي لا يتسلل اليها الفضوليون. ولكن الامر كان مستحيلاً. فبدأ الناس يدخلون بالقوّة كي يطّلعوا على هذا الحدث الجديد. وما كادت تمضي عدة آحاد حتى ابتدأت القاعة تغصّ بالمؤمنين وبنوع خاص من الشباب والفتيات. وانتشر الخبر بسرعة. واعتبروا ان انطلياس تنقل عن القداس اللاتيني الذي يحتفل فيه الشباب في كنيسة مار فرنسيس شارع الحمرا. ولم يكن بعد لا العازفون جميعهم ولا مدير الجوقة قد تطوعوا نهائياً للعمل. فكان فؤاد تكلي اذا تغيّب احد العازفين يعزف هو مكانه أو يدير الجوقة. وابتدأتُ أنا أهتم بإحياء التراتيل. فكنا ندرب الجمهور على اللازمة ربع ساعة قبل القداس ونخلق لهم اجواء عيد يتفلتون فيها من الاعراف التقليدية وينطلقون معنا في الانشاد بفرح وحماس. كذلك قراءة الرسائل كان يكلف بها احد الشباب الجامعيين أو احد الاساتذة. وبدأنا اثناء الاسبوع نستعد معاً على تحضير كلمة الاحد مع الكاهن المكلّف بالوعظ.

وهكذا تدريجياً بدأت الحركة تجد شكلها المستقر النهائي وبدأ العازفون والمنشدون يشعرون بالمسؤولية أمام المؤمنين المتدفقين على القداس. فانضمّ الينا الدكتور زاريه اوزونيان الذي كان زميلنا في الكونسرفاتوار وعازف أرغن متين، وأخذ مكان الأب لوقا الذي لم يكن يفهم اللغة العربية ولا كان متمرساً على هذا النوع من العزف. وكذلك انضمت إلى الجوقة ليلى يمين التي كانت مشهورة بصوتها الحنون الرائع.

وبدأ قداس الشباب في سنة 1972 هذه، يجلب ليس فقط المؤمنين بل الصحافيين كذلك. فظهرت مقالة شيّقة للاب اوكان اليسوعي – وكان آنذاك مسؤولاً في جريدة النهار الفرنسي الاسبوعية عن القطاع الديني – في الرابع من شهر آذار عام 1972، جاء فيها ما يلي: “كنا نفكر ان المجمع الفاتيكاني الثاني المهتم بتحويل في الطقوس، ركّز على الليتورجية اللاتينية تاركاً الشرق في عوائده وتقاليده، واذ بنا نفاجأ بتغيير سريع. فالليتورجية هنا دخلت منذ الآن في مرحلة تكييف عميق ستكون انعكاساتها الدينية والثقافية جسيمة جداً. يكفي حضور قداس الاحد في السادسة مساءً في انطلياس للاقتناع بهذا الامر. يكون في القاعة مئتا مؤمن في الساعة الخامسة والنصف، وفي الساعة السادسة يبلغ العدد ست مئة، ثمان مئة وألف مؤمن. تقف جوقة الشباب على المنصة ويرى الكاهن ان القاعة تحولت إلى قاعة صلاة، فيخلق ببعض كلمات بليغة جو ارتياح وتحضير… ان الاناشيد المستخدمة في هذا القداس تستحق لوحدها دراسة خاصة…” وفي آخر المقال يقول الأب اوكان: “ان ما يميّز انطلياس عن سواها من الكنائس التي تستخدم الآلات الحديثة، كون هذا التجديد الليتورجي ينضوي في تجديد رعائي وكنسي. فلسنا هنا بصدد اسلوب موسيقي ولا بصدد اسلوب ليتورجي، ولكن بصدد اسلوب حياة. فعندما نحضر القداس في انطلياس، نتحقق اننا امام ولادة ثقافة جديدة، ثقافة لبنان الحديث. يوجد هنا معنى جديد ايضاً للانتماء إلى الكنيسة يتجاوز الانقاسامات التقليدية. انه تجديد اصيل يطرح اسئلة امام المستقبل. هذا الاختبار ينبغي ان يكمّل، ولكن، منذ هذه اللحظة نعتبره تحقيقاً رائعاً”.

اثناء هذه السنة غاب عنا وجه عصام صالح الجميل المحبوب، ففقدت الموسيقى بغيابه الحنان والرقة والعاطفة العميقة. وترك انطوان غبريل الجوقة في فصح 1972، كي يهتم بمشارع اخرى خاصة. لكن القداس بقي مستمراً إلى نهاية السنة. فقد ظهر من بين عناصر الجوقة شاب رائع اسمه مسروب بيريجيكيان، متخصص في الموسيقى ومنشد منفرد، فاستلم هو ادارة الجوقة، لكن مشكلة التأليف والتلحين بقيت معلّقة.

في صيف 1972، وكنا في دير مار يوسف بحرصاف، فكرنا ان نتصل بزياد الرحباني الذي كان يقضي فصل الصيف مع اهله في بكفيا. فهاتفته وقلت له: “يا زياد ان الموسيقى في انطلياس تتحرك والعازفون يتكاثرون ويبدعون، فكأنك غريب عن هذه الاجواء، مع كونك تعتبر من قلب انطلياس بالذات”. فقال لي ببرودة: “ماذا تريد مني؟”. أجبته: “أريد من ألحانك”. فأجاب: “أنا حاضر، هل لديك اناشيد جاهزة للتلحين؟”. قلت له: “معلوم!”. فقال: “انا ذاهب اليك عند العصر”. كنت في الاسبوع قد انتهيت من وضع كلمات “نحن ساهرون” و”طوبى للساعين إلى السلام” و”سيدي اعطنا من هذا الخبز”. فقال لي زياد: “سأحاول ان ألحن هذه القطع على الاسلوب الشرقي”. فقلت له: “علينا ان نكمّل طريقة الايقاع فإنها اسهل على العازفين، والشباب يحبون حالياً هذا النوع من الموسيقى”. فرضي زياد بالعرض. ولحّن أولاً “نحن ساهرون” ثم القطعيتين الباقيتين وأخيراً “المجد لك أيها المسيح”.

زياد الرحباني يعزف على الأرغن

كانت طلّة زياد الرحباني على قداس الشباب في انطلياس مرحلة جديدة من مراحل التجدد. فكان يمرّن الجوقة كل نهار جمعة وكان يعزف هو نفسه على الارغن مع الاوركسترا اثناء القداس يوم الاحد. ومسروب بيريجيكيان استمر يهتم بإدارة الجوقة، والشعب أحب كثيراً الحان زياد وكان يتعلمها بسرعة اثناء التدريب قبل القداس. ولكن قطعة التحدي كانت “سيدي”. فقد درّب زياد عليها طويلاً العازفين. ثم حققناها في الكنيسة وكان لا بد من ان نهيّئ الشعب مسبقاً لقبول هذه الموسيقى الصاخبة. ولكن ما إن حفظها الشعب حتى صرنا نرتلها كل أحد. في هذه المرحلة ترك الدكتور زاريه الجوقة ليهتم بإنهاء دروسه. واستلم مكانه على عزف البيانو مرافقاً زياد، الشاب بشارة عبدالله الخوري، ابن عمته، الذي اصبح اليوم مؤلفاً مشهوراً في باريس.

ولكن حركة قداس الشباب لم تكن الموسيقى وحسب، على رغم انها كانت العنصر الاساس في قداس الحركة، ولكن كانت هناك الكلمة والشهادة والنوايا والقراءات والقصائد الروحية للمناسبات. وكان اشهر الشعراء فيها الاستاذ موريس عواد الذي كان عنصراً فاعلاً في الحركة. فقد اصبح القداس في هاتين السنتين محور التجمع. وكان الناس يأتون من بيروت ومن حوالي عشرين قرية مجاورة للاشتراك في الاحتفال. وكانت الحركة في كل مناسبة تدعو مسيحيين ملتزمين من رجالات الفكر والادب والسياسة كي يؤدّوا شهادة عن مواقفهم في شتى الحقول، وعن تجسيدهم للانجيل في مختلف الظروف. كان يلفت انتباه الشعب في القداس حضور الأب ميخائيل أبو حبيب، خوري رعية مار ميخائيل للروم الارثوذكس في حارة الغوارنة، الذي كان ينشد الانجيل في قداس الشباب بصوته “الباريتون” القوي. كانت اذاً جميع الطوائف ممثلة في هذا القداس، حتى اننا تمكنّا مع الوقت استلال اشهر الالحان من الطقس البيزنطي والارمني ووضع كلمات مناسبة لها وانشادها اثناء القداس. ورتّب زياد للاوركسترا بعض المزامير والقطع الشعبية امثال “كما يشتاق الايل” الذي كان ينشد اثناء المناولة وقطعة “افيض روحي” وللعذراء “يا مريم البكر فقت”، وزاد بشارة الخوري على هذه المجموعة نشيده “اذهبوا في الارض كلها” ونشيد “يا من تعمدت في نهر الادرن”.

خلال سنة 1973-1974 تكاثفت قائمة الاناشيد. فلحّن الاستاذ الياس الرحباني نشيد لمار الياس “كلامك لنا مشعل يا ايليا” و “يا من قام من بين الاموات”، ولحّن زياد “قدوس” التي تنشد اليوم في جميع القدايس، وقطعة للقيامة “يسوع قام من بين الاموات ونحن شهود على ذلك” وكذلك قطعة “يا سيد الرجاء”. في كل الاعياد والمناسبات كنا نطبع كراريس صغيرة في مختلف الالوان تضم اناشيد العيد والمناسبة والصيغ الليتورجية ونوزعها على الحاضرين. ان ما كان يشدد علاقة عناصر حركة قداس الشباب بعضها ببعض هي الاجتماعات المستمرة التي كانت تجري كل احد بعد القداس في صالون القاعة. وكانت هذه الاجتماعات تضم عدداً كبيراً من الشبان والفتيات الذين كانوا يشتركون في الصلاة ويعتبرون انفسهم من اصدقاء الحركة. وفي هذه الاثناء، كان يدور النقاش حول كلمة الاحد والشهادات، والنوايا وموسيقى الاناشيد وحول اهداف الحركة وتطلعاتها. وكنا نترقّب المناسبات كي نقضي نهاراً في الجبال أو نمضي إلى التزلج على الثلوج.

زيارة شباب أنطلياس إلى تيزيه – فرنسا سنة 1974

اما اهم حدث في تاريخ الحركة فقد كان الزيارة إلى تيزيه في فرنسا للاشتراك في مجمع الشباب العالمي. ففي مطلع صيف 1974 مضينا من انطلياس في “أوتوكار” براً إلى فرنسا وكنا اكثر من اربعين عنصراً، وكان عدد المشاركين في المجمع حوالي خمسين الف شاب وفتاة ينتمون إلى تسعين جنسية تقريباً، ولمدة ثلاثة ايام. وعند عودتهم صرّحوا بما يلي: “نحن لا ندّعي بأننا نمثّل أحداً بطريقة رسمية اطلاقاً. ولا نحن موفدون من قبل أي سلطة قانونية. ذهبنا لاننا نشعر مع شبيبة لبنان بأن هناك شيئاً جذرياً ينبغي ان يتغير في نفوسنا على الصعيد الفردي كما على صعيد العلاقات بعضنا مع بعض. عندنا رؤية جديدة للعالم نشارك فيها ألوف الشباب والفتيات إخوتنا وأخواتنا المنتشرين في القارات الخمس، الذين يعذبهم القلق، الذين يرفضون استهلاك الإنسان لأخيه الإنسان، الذين لم يعد يهمهم التاريخ المركز على امجاد الماضي ونزاعات الماضي وحروب الماضي. نحن توّاقون في اعماق قلوبنا إلى أخوّة شاملة تتجلى معالمها يوماً بعد يوم في العالم. لقد افقرتنا النزاعات، سجنتنا الانعزالية، اذبل شبابنا البغض، وكل يوم يهددنا القنوط، يرهقنا التصلّب، يرعبنا المستقبل. كل ما حاولناه من حوارات، تجمّد في المصطلحات الفارغة وعبثت به امواج الاحداث. ذهبنا لنجتمع بشباب العالم لاننا ابناء الرجاء” (مجلة الرعية، تشرين الاول 1974).

في غضون عام 1975 بدأت الحرب في لبنان، وفي اثنائها ضعف نشاط الحركة. فقررنا في هذه الظروف ان نستلّ الاناشيد التي لاقت رواجاً أكثر من غيرها، واهتم زياد الرحباني بإخراجها مع اوركسترا كبيرة. فانضمت جوقة برمانا المسكونية التي كنت قد أسستها عام 1964 إلى جوقة حركة قداس الشباب، وسجلنا في استوديو بعلبك هذه المجموعة، زاد عليها زياد قطعة “كيرياليسون” التي لاقت رواجاً كبيراً. ودخل معنا في التسجيل نجوم معرفون: ماجدة الرومي، سامي كلارك والمرحوم جوزيف صقر. وعام 1977 صدرت هذه الاناشيد في اسطوانة تحت عنوان “كيرياليسون”.